امتحان وزارة الصحة
اقرأ معي بتمهل هذا الخبر وحدق بالأرقام جيدا:
(أكملت وزارة الصحة استعدادها لبدء تنفيذ المسح الصحي العالمي "إشراقة صحية واعدة" اعتبارا من يوم السبت المقبل والذي يتم بموجبه إجراء دراسة استطلاعية لتحقيق قاعدة معلومات موثقة عن الحالة الصحية للسكان بشكل دقيق للوقوف على المؤشرات الصحية بالمملكة...) ولتنفيذ ذلك المسح يتطلب الأمر: (تعبئة 10900 استبانة أسرية وأخرى فردية، وتتكون صفحات الاستبانة الأسرية الواحدة من 30 صفحة تحوي 179 سؤالا، فيما تبلغ الاستبانة الفردية الواحدة 86 صفحة تحوي 919 سؤالا) جريدة "اليوم" ص2 بتاريخ 6/5/2007.
أظنك عزيزي القارئ سوف تصاب بقشعريرة مفاجئة وأنت تمر بالأرقام.. "30 صفحة ، و179 سؤالا!" و"86 صفحة و919 سؤالا!".. وإننا ولو افترضنا أن الإجابة عن كل سؤال ستستغرق دقيقة واحدة فقط لكان معناه أكثر من ثلاث ساعات للأسرة وأكثر من 15 ساعة للفرد (إلا إذا كان المندوب سيتولى الإجابة بالنيابة!).. إنه "امتحان" كما يقول أهلنا في الحجاز فلا تنفع معه كلمة اختبار المخففة، ولا كلمة (فحص) التي يقولها إخواننا في الشام، وهو فعلا امتحان لا مثيل له لا في الامتحانات الشهرية أو الفصلية أو السنوية، ولا ينافسه في الطول امتحان الشهادات في مختلف المراحل من الابتدائية حتى الجامعية، ولا امتحان "التوفل" أو امتحان القدرات ولا حتى امتحان درجة الدكتوراه!
والسؤال: هل فعلا ستعتبر نفسك محظوظا لو أن أسرتك كانت من بين الـ 10900 أسرة التي سيطولها امتحان هذه الاستبانة الأسرية؟ وهل ستعتبر أنه (جالك السعد؟!) لو كنت من الأفراد الذين سيطولهم امتحان الاستبانة الفردية؟ أكاد أجزم أنك (أو أسرتك) ستعاني هما وكربا خشية أن يدق باب بيتك مندوب وزارة الصحة، لأن هذا يعني أن يكون ضيفك (بالعافية) من السابعة صباحا ـ مثلا ـ إلى الثالثة صباحا، وأنت في (سين) و(جيم) مع توقف لأداء الصلوات والغداء والعشاء وربما الفطور.. إلا إن كان حنونا معك وقام بتقسيط زياراته على عدد من الأيام!!
ما من (تهكم) في الموضوع، لأن هذا هو الاستنتاج الوحيد الذي تفضي إليه قراءة أرقام الخبر.. أما الحديث عن أن الغاية من هذه الحملة وهو (تحقيق قاعدة معلومات موثقة عن الحالة الصحية عن السكان بشكل دقيق!!) أو (التعرف على المشكلات الصحية في المملكة) وأنه (يمثل نقلة نوعية على طريق ترقية وتطوير الأداء الصحي بالمملكة!!).. فيحق لنا هنا أن نسأل: أما كان بإمكان وزارة الصحة إحداث هذه "النقلة النوعية" من خلال المعلومات الهائلة التي تتجمع لديها منذ سنوات طوال، جراء مراجعة الآلاف من السكان يوميا لمستشفياتها ومراكزها الصحية في كل مناطق المملكة مرارا وتكرارا؟ فكل الأمراض والأعراض الدقيقة والجليلة تمر حالاتها عليها وكان يفترض أن تكون مغذاة في حواسيبها وقاعدة معلوماتها دون حاجة إلى (فزعة) إيجاد هذه القاعدة (الدقيقة!!) من خلال هذه العينة!
لا أقول ذلك لأنني لا أؤمن بالأساليب الحديثة في التعرف على الظواهر الاجتماعية والإشكالات في عدم توافر أو تعثر الخدمات وتحديد المؤشرات وما إلى ذلك، بل أقوله لإنني غير قادر على "هضم" "تهويل" الأمور، إذ لا يحتاج الأمر إلى امتحان هائل طويل كهذا حتى لو كانت الإجابات على طريقة التأشير (صح) أو (خطأ) أو (اختر الإجابة الصحيحة)!!
الخدمات الصحية (النوعية) تتطلب فقط سرعة البت في إنجاز مشاريع وزارة الصحة وتشغيل المستشفيات المنفذة منذ سنوات. كما تتطلب تحركا (نوعيا) في الشروع في تنفيذ المشاريع التي تم تخصيص مبالغ لها بلغت نحو أربعة مليارات من فوائض ميزانيات الأعوام الثلاثة الماضية، أو (على الأقل) زف البشرى لنا عن نسبة المتحقق منها أو متى سيتم ذلك؟
الاستبانة والمسوح، وغيرها من أدوات التشخيص المعرفي، على العين والرأس، شريطة ألا تكون وسيلة قد يضطر معها المجيب إلى (تمشية الحال) للخلاص من كرب الامتحان.. ودعونا من عبارة (المسح الصحي العالمي) كما جاء في صدر الخبر، فكم هي مضللة هذه الـ (عالمي)، فمواطن أمريكي أو أوروبي يتعامل مع التقنية والعلم ومناهجهما منذ أكثر من (150) عاما غير جد أو جدة (قد يدق بابهما مندوب وزارة الصحة) وهما بالكاد أدركا شيئا من فك طلاسم الحروف في مدارس محو الأمية.
فأولوياتنا غير أولوياتهم، وبالتالي أسلوب التعاطي مع أسرنا وأفرادنا يختلف عن أساليبهم.. ما أعنيه أن علينا أن نضع الطاقية على مقاس الرأس وأن نفكر بما هو أساس، وأن نجد وسيلة غير (امتحان) الأفراد والأسر على هذا النحو بزعم تحقيق قاعدة معلومات موثقة بشكل دقيق! خصوصا أن لدى وزارة الصحة الإجابات كلها عن أسئلة استباناتها الفردية والأسرية لو هي فقط رجعت لأطبائها والعاملين على سجلاتها.. هذا هو "بعض" الطريق لـ "النقلة النوعية" وبعضه الآخر في المشاريع والقوى البشرية وجودة الخدمة، وليس في هذه الاستبانات التي كان الله في عون مَن كان عليه أن يدخل امتحانها العصيب!!