هل يتحول المشهد العراقي إلى مشهد إقليمي؟
لو أن أحداً من الناس أخبرنا قبل فترة من سقوط الاتحاد السوفياتي وتوزعه إلى دول مستقلة بالوضع الذي آل إليه الاتحاد السوفياتي لربما وصفناه بالجنون، إذ كيف يمكن لدولة عظمى كان لها صولة وجولة على الصعيد العالمي أن تتفكك وينتهي بها الأمر إلى هذا الوضع وإلى دولة أقرب ما تكون لدول العالم الثالث. ولو أن أحداً أخبرنا بشأن العراق وسقوط نظامه والاحتراب بين أبنائه، بل واحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ووجود من يدعم الاحتلال من أبناء الوطن، لما صدقناه واتهمناه بالإصابة بمس من جن هذا على المستوى الصحي، إما على المستوى السياسي لاتهمناه بالردة والخيانة. ونظراً لأن الوضع في العراق يؤلم كل من لديه غيرة على أمته، سواء في داخل العراق أو خارجه، لذا لا غرابة أن يتحول الألم والحسرة الناتجين من الوضع العراقي إلى حالة فزع وخوف من المجهول الذي قد يقود إليه، خاصة من قبل الدول المحيطة بالعراق سواء عربية أو غير عربية. هذا الخوف ينتاب المسؤول والمثقف والإنسان العادي، إذ إن هؤلاء جميعاً يؤلمهم ما يرونه يحدث في العراق ويعيشه العراقيون كل يوم, بل كل لحظة من لحظات حياتهم، فالدماء، والدمار والقتلى، والجرحى، والأيتام، والثكالى، والمفزوعون مشاهدهم تتكرر في كل يوم وفي كل مكان من العراق، ولم يعد العراقيون يحلمون بتحقيق الأحلام الوردية والرفاه والحرية والديمقراطية التي وعدوا بها من قبل الأمريكان ومن جاء مع الأمريكان والذين يحكمون العراق في الوقت الراهن.
وانطلاقا من مبدأ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم والذي يجسد جوهر حالة الاستشعار للحاضر والمستقبل يلزم كل مهتم بالشأن العام أن يفكر تفكيراً استراتيجياً يمكننا من التنبؤ بالأحداث المستقبلية بناءً على أحداث الحاضر وأوضاعه الآنية بهدف معرفة مدى تأثيرها في المستقبل، سواء كان في جانبه السياسي، أو الاقتصادي، أو الأمني. وحتى يكون تحليلنا دقيقاً لابد من تناول الموضوع في أبعاده الخارجية والداخلية. البعد الخارجي يتمثل في الدول التي تحتل العراق وخططت للحرب وحرضت عليها ما هي وما أهدافها؟ في المقام الأول هذه الدول تختلف عن دول المنطقة في ثقافتها وعقيدتها ونظمها السياسية وفي المصالح، وهذه العوامل كافية لأن تكون محفزات على العدوان والبطش وتدمير الآخر الذي لا يتوافق مع توجهاتها، خاصة أننا أمة تسقط من حساباتها العامل التاريخي وهي تتعامل مع الآخر وتنظر للأمور من خلال الواقع فقط، وكأن الواقع سيستمر على ما هو عليه. وهذه النظرة هي التي أوقعت النظام العراقي السابق، حيث اغتر بعلاقته بأمريكا ودعمها له في حربه مع إيران، وتصور أن هذه العلاقة مستمرة وليس لها حدود، وهو بهذا الإغفال لحتمية أن السياسة مصالح وليست مبادئ قد دخل في النفق الذي أدى إلى ما آلت إليه الأمور في العراق. وحتى أكون محدداً تحسن الإشارة إلى عبارة قرأتها في مصنع طائرات التورنيدو، حيث كنت في زيارة مع وفد زار بريطانيا كجزء من تطوير مناهج كلية الملك فيصل الجوية رغم أن المشروع لم يكتمل لأسباب غير معلومة لي على أقل تقدير والعبارة تنسب للرئيس كلينتون، إذ يقول فيها، لقد سقط الاتحاد السوفياتي الذي واجهناه بالحرب الباردة، لكننا الآن نواجه عدواً شرساً وعدواً تاريخياً له عقيدة صلبة. ومع أن الرئيس كلينتون لم يحدد من هو هذا العدو التاريخي، إلا أنني استشعرت وقتها أن المقصود هو الأمة الإسلامية, فهي التي تملك عقيدة صلبة ولها تاريخ طويل في الصراع مع الغرب سواء في حروبه الصليبية أو في دعمه اللا متناهي لإسرائيل في الوقت الراهن ومنذ نشأتها. كما أن الغرب له أطماعه الاقتصادية، فسيادته للعالم مرهونة بالقوة ومن مقتضيات القوة وشروطها توافر مصادر الطاقة، إن لم يكن الهيمنة عليها. إن شركات النفط ومحتكري صناعة السلاح لا ترضيهم منافسة الآخر لهم، خاصة حين يكون الآخر مغايراً لهم في ثقافتهم وعقيدتهم. ومهما كانت المبررات التي برر بها الغرب احتلاله للعراق وإحداثه الدمار فيه، فإن الأمر لا يخرج عن الأسباب الأيديولوجية والاقتصادية، فالعراق كان في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل مصدر قوة لا يمكن السكوت عنها ويضاف للعامل الخارجي الذي مصدره الغرب، عامل خارجي مصدرة الشرق، فحرب السنوات الثمان بين إيران والعراق لا يمكن الاعتقاد بزوال آثارها النفسية والاجتماعية بهذه السهولة، وهذا ما يفسر التدخل الإيراني السافر في الشأن العراقي في الوقت الراهن مهما كانت الأسباب سواء للانتقام من أمريكا على الساحة العراقية أو للانتقام من العراقيين بسبب حربهم معها خلال ثماني سنوات. إن العامل الخارجي الذي حول الساحة العراقية إلى ساحة صراع وتصفية حسابات لا تؤمن عواقبه وآثاره التي من الممكن أن تمتد إلى ما وراء العراق. وحتى لا يكون التحليل إنشائيا نذكر ما حدث بعد احتلال العراق مباشرة حين فتحت الولايات المتحدة الأمريكية الملفات الخاصة بكل من إيران، سورية, السعودية، ومصر، وذلك بهدف التمهيد لاتخاذ إجراءات سياسية تعقبها أعمال عدوانية عسكرية، لكن مجرى الأمور في العراق غير من الخطط ولم يلغها، فالملفات جاهزة وتنتظر الفرصة التي يعاد فتحها مرة أخرى لتدان بها ومن خلالها الدول التي يرى ملاك الشركات النفطية أنها مناسبة.
وإذا كان ما سبق يخص البعد الخارجي في الموضوع، فإن الداخلي لا يقل أهمية فالإثنية العرقية والطائفية والمذهبية توجد في كثير من الدول المحيطة بالعراق وقد هيأت الظروف التي عملت الولايات المتحدة على استحداثها الفرصة لتعبر كل هذه الكينونات عن ذواتها وترفع راياتها وتجهر بمطالبها سواء كانت محقة في ذلك أو غير محقة. وإذا كانت التركيبة الاجتماعية مهيأة لهذه فإن الممارسة خاصة السياسية منها تعزز خروج هذه الإثنيات من قمقمها، وهذا ما يعلل به العراقيون الذين تعاملوا مع المحتل، فهم يرون في استبداد النظام السابق، وفي استئثاره بالسلطة وهيمنته على مصادر الاقتصاد، وفي تهميشه لبعض الفئات واستبعاده الكفاءات سبباً في عداوة النظام الذي جر في النهاية إلى نتائج وخيمة لم يكن أحد يتصور حدوثها.
إن التحرك على الصعيدين الإقليمي والعالمي بهدف إطفاء الحريق العراقي أمر واجب على كل غيور على الأمة، لكن الأمر يتطلب في الوقت ذاته منع امتداد الحريق خارج العراق حتى لا يطول المجتمعات المجاورة التي يوجد فيها من الأسباب ما قد يشجع البعض على التصرف بالطريقة نفسها التي تصرف بها من أسهموا في تدمير العراق رغم ادعائهم أنهم عراقيون. إن إصلاح البيت من الداخل وترميمه وتقوية أساسياته وأركانه، لا يكون بتجاهل الآخر وإنكار مواطنته، بل يتم بوضعه في مكانه المناسب وجعله جزءاً من آلية المواجهة العامة والبناء في الوقت ذاته, وهذا لا يتحقق ما لم يذق المواطن طعم المواطنة الحقيقية التي ترتقي به إلى مستوى لعيش أفضل ومشاركة أكثر في صناعة القرار وفي تنفيذه. وأعتقد أن دول الجوار لو عملت وفق هذا السياق ستجد نفسها في مأمن من مصادر الخطر كافة أياً كان مصدرها, فهل نفعل ذلك حتى لا نجعل المشهد العراقي يتكرر في مكان آخر ـ لا سمح الله؟