رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ما بعد الجائزة

[email protected]

تعد مجلة "Technology Review " الأمريكية من بين أكثر المجلات قراءة في الأوساط المهتمة بقضايا التقنية، وتستقي تميزها من تاريخ عريق يزيد على مائة عام، إذ كانت انطلاقتها في عام 1899م كنشرة دورية متخصصة تعنى بما يدور من أبحاث واكتشافات في مختبرات ومعامل جامعة (MIT). ثم توسعت المجلة تدريجياً، مع بزوغ وانتشار وسائل الاتصالات الحديثة، لتشمل تغطيتها مراكز أبحاث وجامعات أخرى في أنحاء شتى من المعمورة مع التركيز بالطبع على قارة أمريكا الشمالية لما لمؤسساتها العلمية والصناعية من إمكانات تفوق مثيلاتها في القارات الأخرى مجتمعة.
في السنوات الأخيرة تبنت المجلة إصدار عدد سنوي خاص يتناول أبرز عشرة اختراعات تقنية جديدة في كل عام، كان من بينها لهذا العام 2007م اختراع في مجال تقنية "النانو" التي تتعامل مع أجسام لا تدركها، لصغرها، العين المجردة. إذ توصل فريق من المهندسين والعلماء في جامعة " هارفارد " إلى تصميم وتصنيع هوائيات بصرية قادرة على تركيز أشعة الضوء على مساحات متناهية الصغر كان علماء الفيزياء والمهندسون عاجزين عن بلوغها من قبل لاصطدامهم بعقبة في قوانين الفيزياء وضعت حداً أدنى يعرف باسم " حد الانحناء diffraction limit " خلاصته أنه لا يمكن تركيز أشعة الضوء على مساحة يقل قطرها عن نصف الطول الموجي للضوء.
ذلك الاختراع يشكل قفزة تقنية، إذ إن من شأنه مضاعفة الطاقة الاستيعابية لتخزين المعلومات مئات المرات في شرائح الحواسب الآلية، الأسطوانات المدمجة، وغيرها مقارنة بما هو متاح في ظل التقنيات المستخدمة اليوم، وبتكلفة اقتصادية منافسة. كما يرى بعض المراقبين أنه ليس هناك حدود للاستخدامات التي يمكن أن تستفيد من تلك التقنية الجديدة.
كان أحد المـُشِرفَين على فريق الباحثين البروفسور فيديريكو كاباسو "Federico Capasso" أستاذ الفيزياء في جامعة هارفارد والفائز بجائزة الملك فيصل للعلوم لعام 2004م مشاركة مع الأستاذ
" أنطون تسايلنغر" من جامعة فيينا، والأستاذ " فرانك ويلتشيك " من جامعة (MIT) الحائز على جائزة نوبل. وقد حفزّني ما قرأته في مجلة " Technology Review " عما توصل إليه فريق الباحثين بقيادة الدكتور كاباسو إلى إعادة طرح فكرة كنت قد عرضتها في "الاقتصادية" بتاريخ 19/4/2005م عن الجسور التي يمكن أن تبنيها جائزة الملك فيصل العالمية مع تلك العقول وغيرهم وأهمية المحافظة عليها وتنميتها.
إن النجاح الذي حققته مؤسسة الملك فيصل الخيرية في إدارة وتنظيم الخطوات اللوجستية والعلمية للجائزة على مدى أكثر من عقدين من الزمن يدعونا لأن نتطلع من المؤسسة تبني خطوات مماثلة من المهنية العالية لاستثمار "مرحلة ما بعد الجائزة" وتوظيف ما بُني من جسور مع أولئك العمالقة الفائزين بالجائزة لصالح برامج تطوير التعليم العالي والبحث العلمي في المملكة. ذلك أن مثل تلك الخطوات يتطلب بلا شك عملاً مؤسسياً، شركاء محليين على درجة كافية من الوعي، واعتمادات مالية سخية.
هناك خيارات عدة لاستثمار "مرحلة ما بعد الجائزة " من بينها ترشيح بعض الموهوبين من المبتعثين السعوديين للانخراط ضمن مجموعات الباحثين العاملين في مختبرات أولئك العلماء، وما يتطلبه ذلك من مساهمة مالية من المملكة لدعم تلك الأبحاث، ومن المؤمل أن يوفر ذلك الخيار معيناً لا ينضب من السعوديين المؤهلين في مجالات علمية دقيقة. كما أن من بين تلك الخيارات أيضاً الاستعانة ببعض الفائزين بالجائزة في تقديم النصح والمشورة للجامعات السعودية فيما يخص معاملها وبرامج أبحاثها ما يمهد الطريق أمام مشروعات مشتركة تضع في متناول المملكة رصيداً غنياً بالخبرات المتراكمة في العلوم والمعرفـة.
إن المبادرات الضخمة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وعلى رأسها برنامج الابتعاث، إنشاء جامعة للعلوم والتقنية، افتتاح جامعات جديدة، ودعم البحث العلمي في الجامعات القائمة تشكل مقومات جيدة لجني منافع كثيرة من عمل منظم يستثمر الروابط التي تنشئها جائزة الملك فيصل العالمية مع الفائزين بها والمؤسسات العلمية التي ينتمون إليها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي