رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حلول للتذبذب المكروه في سوق الأسهم السعودية

[email protected]

بعد نحو ثلاث سنوات من اللهاث المستمر والارتفاع القوي لأسعار الأسهم السعودية بمختلف أنواعها سواء العائدة لشركات استثمار أو شركات مضاربة، شركات ضخمة أم شركات صغيرة، شركات تحقق أرباحا ونموا أم شركات غارقة في الخسائر والتخبط، ابتدأت الأسعار والمؤشرات خلال الربع الأول من عام 2006 في الانحدار نحو هاوية لم يعرف لها قرار لحد الآن. وبمراجعة علمية موضوعية لتحركات السوق خلال الأعوام الأربعة الماضية، يلاحظ الباحث الحصيف عدة صفات وخصائص بعضها كان طارئاً في فترات، بعضها يظهر حيناً ويتلاشى أحياناً أخرى منتظراً البروز مرة أخرى حين تتوافر عوامل الظهور، وبعض هذه الصفات والخصائص أصبحت متلازمة في كل من فترات الارتفاع والانخفاض، وحتى مع تغير الظروف المحيطة. ومن الصفات التي أصبحت متلازمة لحركة سوق الأسهم السعودية تبرز ظاهرة التذبذب وارتفاع المخاطرة ليصل حال التذبذب في بعض الأحيان ومع كميات تداول متوسطة إلى 4 في المائة أو حتى أكثر من ذلك. كما قد تؤدي حالة التذبذب الحاد وارتفاع المخاطرة إلى حدوث تبعات سلبية قد تؤدي إلى تراجع معدل الثقة في سوق الأسهم السعودية من قبل المتعاملين المحليين والمستثمر الأجنبي.
ويلقي الكثير من المحللين والمراقبين اللوم جزافاً على عدة عوامل هيكلية أو تنظيمية في السوق المالية، كالقول إن تخفيض معدل المضاربة ومستويات التذبذب قد يتم بالسماح بعمليات البيع على الهامش Short Selling أو مشتقاتها، أو بالدعوة إلى عدم إتمام الصفقات فوراً وأنها يجب أن تأخذ وقتاً للتقليل من حدة المضاربة. والمشكلة الأكبر أن البعض يرى أن المضاربين خطر على السوق!! إن سوقا بلا مضاربين هي سوق بلا سيولة، هي سوق طاردة للمستثمر طويل المدى، هي سوق مضللة لاستراتيجيات الدخول والخروج للمستثمرين، وهي سوق لا يثق بها المستثمر المحترف. إن المضاربين القانونيين طبعاً - ولا أعني مجموعات المضاربين التي تقوم بالجريمة المنظمة للتضليل واستغلال المعلومات الداخلية - يشكلون قوة العرض حين يقرر المستثمر طويل المدى أن يستثمر في السوق، وهم ذاتهم يشكلون قوى الطلب حين يقرر المستثمر طويل المدى أن يبيع استثماراته، لذا فإن غياب المضاربين سيجعل السوق ميتة وبلا سيولة ما يؤثر في جدوى الاستثمار طويل المدى، وفي توقيت الدخول إلى السوق والخروج منها لهذا المستثمر، وبما يجعل سوق الأسهم السعودية طاردة للمستثمرين وتعاني مرضا عضالا يصعب التغلب عليه. إذن، فمحاربة المضاربين القانونيين اليوميين ليست في مصلحة السوق، كما أنها ليست حلاً لحالة التذبذب، وليست بساطاً سحرياً سيطير بالمؤشر إلى السماء، ولكن الحلول تكمن في فهم حالة التذبذب وتشخيصها تشخيصاً دقيقاً يؤدي إلى تقديم الحلول الممكنة لها.
لا خلاف أن التذبذب الكبير غير المبرر شيء غير مرغوب فيه لكل الأسواق المالية، إلا أن إيجاد حل لهذه المشكلة لا يتأتى بحلول متعجلة ستؤدي دون ريب إلى الإضرار بهيكلة واستراتيجية السوق على المدى الطويل ككل. فاقتراح إنجاز التداولات في سوق الأسهم السعودية على مدى عدة أيام عوضاً عن التنفيذ الفوري ستؤدي - رياضياً واقتصادياً - إلى أن تتحول موجات التذبذب من النمط اللحظي اليومي إلى المدى الزمني المنظم كل كذا يوم وبشكل أشد تذبذباً أيضاً، وأكثر إضراراً بالسوق. فموجات التذبذب ستقتصر على بعض الشركات في فترات معينة وعلى غيرها في فترات أخرى لترتفع في يوم المضاربة، وتهدأ ليومين، ويعود التذبذب عند البيع!!! كما أن سياسة كهذه ستؤدي إلى الإضرار بكفاءة السوق وتعاملها مع معلومات الشركات بسبب التفاوت بين وقت وصول المعلومة ووقت التنفيذ والتسلم، وبين التسلم والاستثمار مرة أخرى، ففي هذه الحالة قد تضطر الشركات إلى الإعلان عن نتائجها تبعاً لموجات المضاربة المحدودة بحاجز فترة التنفيذ، ومن هنا ستوجد مشكلة أخرى. وعليه، أرى أن الحل المطروح بتأجيل إتمام الصفقات لفترات معينة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام، ليس حلاً، وأجزم أنه لن يكون حلاً بل إخلالاً بكفاءة السوق وهيكليتها، وتحويلاً لنمط موجات التذبذب من النمط اللحظي إلى النمط الأطول قليلاً والذي قد يمتد إلى بضعة أيام من خلال فرض قيد يمثل احتكاك لحركة الأسعار.
وقد طرح البعض - بتسرع - ضرورة طرح أدوات ومشتقات مالية للتقليل من حالة التذبذب والمضاربة والحفاظ على سوق الأسهم ودورها المحوري في الاقتصاد. ومن ضمن حلولهم المطروحة توفير أداة البيع على الهامش وتوفير المشتقات المالية التي قد تعطي بعض التوازن للسوق، إلا أن هذه الأطروحات تنطلق من الأدوات التي يراها البعض فاعلة في الأسواق العالمية ويظنون أن مجرد توفيرها في السوق السعودية سيكون الحل السحري الذي يقلل معدلات التذبذب وبعض الاختلالات.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن متابعة دقيقة لحال السوق، وبمراجعة الأدبيات المالية، فإن توفير هذه الأدوات للسوق عموماً في وضعها الحالي سيؤدي دون أدنى شك إلى ارتفاع مستويات التذبذب، المخاطرة، وحالة عدم التأكد. فمع غياب الثقافة الاستثمارية عموماً، مع ضيق السوق وغياب العمق، ومع سيطرة المضاربين المنظمين، ستكون هذه الأدوات كإضافة البلة إلى الطين. ولتحقيق الاستفادة العظمى من الأدوات والمشتقات المالية تبعاً لوضع سوقنا المالية، أرى أن يتم توفير أدوات البيع على الهامش والخيارات المالية إلى صناديق الاستثمار، والمستثمرين المؤسساتيين فقط لتحقيق نوع من التوازن في السوق عند حدوث مختلف التغيرات، ولتكون هذه الصناديق بمثابة معامل التعديل والثبات لحركة السوق المالية في المديين المتوسط والطويل. ومن شأن خطوة كهذه أن تؤدي إلى إعادة الثقة في صناديق الاستثمار في سوق الأسهم السعودية، وأن توفر فرصة لتنويع المحفظة الاستثمارية إلى المستثمر الفرد في كل من فترات الارتفاع والانخفاض.
وختام القول، إن حالة التذبذب هي سمة الأسواق العالمية في فترات معينة، ولكن ليست متلازمة كما نراه الآن في السوق المالية السعودية، ولكي نجد لها الحلول، يجب ألا نخل بهيكلة السوق واستراتيجيتها ورسالتها من خلال استخدام الأدوات المالية المناسبة للسوق السعودية وبطريقة تضمن التحول التدريجي لهذه الأدوات من المستمرين المؤسساتيين إلى المستثمرين الأفراد مباشرة بتزامن مع رفع مستوى الوعي الاستثماري، ولكن دون أن نطرح الحلول بغض النظر عن تبعاتها المضرة لمستقبل سوقنا المالية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي