سوق الأسهم السعودية.. على مفترق الطرق
لا شك أن الأزمة الصعبة جداً التي تمرُّ بها سوق الأسهم المحلية منذ أكثر من عامٍ مضى، هي الموضوع الأكثر جدلاً والأكثر سخونةً والأكثر اختلافاً، ليس فقط على مستوى الملايين المعدودة من المستثمرين "الصامدين" في تلك السوق الحمراء، بل إنها كذلك على اختلاف مستويات الدولة والمجتمع في السعودية. يوماً بعد يوم، بل ساعةً بعد ساعة تتوالى عشرات المليارات من الريالات كخسائر مريرة، تتجرعها السوق تحت ضغطٍ من النزيف المستمر دون توقف، ضارباً بعرض الحائط جميع المؤشرات المتينة التي يتمتع بها الاقتصاد الوطني. السؤال الحائر، والدائر بغليانه في جميع أذهان المستثمرين والمراقبين وحتى المنظمين للسوق؛ ماذا يحدث؟ وكيف يمكن إيقاف هذا النزيف أو قل هذه الانتكاسات غير، المبررة ويمكنك القول أيضاً كيف نوقف هذا العبث بمقدرات الاقتصاد والسوق على حدٍّ سواء؟! قد نختلف وقد نتفق على تشخيص مقدمات ما حدث ويحدث للسوق المالية المحلية، وإن كنت أرى أن القواسم المشتركة أكثر في جانب الاتفاق على حساب الاختلاف، على الرغم من التباين الكبير في التسمية بين من يقول إنها "تصحيح" ومن يقول إنها "أزمة مالية واقتصادية" بكل ما يعنيه هذا الوصف، والفرق كبير جداً بين الوصفين الأول والثاني! فالأول يتبعه أن تُترك الأمور على ما هي عليه، لتتمكن قوى العرض والطلب الكامنة في السوق من تحقيق التوازن دون أي تدخلات من أي جهة. قد يتحقق هذا التوازن المنشود بعد شهر وقد يتحقق بعد عقد أو عقدين أو أكثر من الزمن، وتقوم قناعة فريق ترك الأمور لتلك القوى "عرضاً وطلباً" على مبادئ الاقتصاد الحر تحت مظلة نظريته الكلاسيكية التي هلكت غير مأسوف عليها تحت ركام الكساد الكبير في أمريكا في الثلث الأول من القرن الماضي. أمّا الوصف الثاني فيتبعه بالضرورة وضع السوق بحالتها المتأزمة الآن تحت مشارط الجراحة والعلاج العاجلة، وقد أشرتُ في أكثر من مقام ومقال إلى أن الوصف الأول غير دقيق وغير صحيح على الإطلاق، إذ أثبتت مقدمات أو أسباب الانهيار الكبير في السوق المحلية وما تلاه من سقوطٍ حادٍّ تجاوزت فاتورته تريليوني ريال، فاقتْ كارثته بكل المقاييس أي كارثةٍ مماثلة حلّت بأي من السبعين سوقا العالمية "متقدمة، وناشئة" على امتداد الفترة الزمنية 1990-2006. وأوضحتُ في أكثر من تقريرٍ نشرته هنا بـ "الاقتصادية"، كيف أن الأجهزة المالية والاقتصادية في الدول التي تعرّضت لأزماتٍ مشابهة لما حدث لدينا استنهضت كل طاقاتها لامتصاص الآثار السلبية، مستشهداً بحالة دول شرقي آسيا أو النمور الآسيوية التي تزال سياساتها الاقتصادية الكلية إلى تاريخ اليوم، تأخذ بعين الاعتبار آثار أزمتها المريرة في عام 1997 على الرغم من مرور عشر سنوات عليها.
أؤكد هنا مقدمات أزمة السوق المحلية، وضرورة أن تدرس جيداً من قبل "صناع القرار" في سوق المال المحلية، ذلك أن معرفة الأسباب الكامنة وراء السقوط الكبير تمثل نصف الطريق نحو الحل! حصرتُ تلك المقدمات التي أفضت إلى اندلاع نيران الأزمة الراهنة في السوق فيما يلي: أولاً - تأخّر معالجة الاختلالات الهيكلية الكامنة في جسد السوق منذ تأسيسها، التي من أبرزها الافتقار الفادح إلى العمق اللازم، واستفحال خطرها فيما بعد مطلع 2003 تحت ضغط التطورات المتسارعة والمتعاظمة التي مرّت على السوق. ثانياً - التدفّق السريع لملايين المستثمرين بمدخراتهم المقدرة بمليارات الريالات باتجاه سوقٍ محدودة في عدد شركاتها المدرجة، وشحيحة جداً في خياراتها الاستثمارية البديلة، تفتقد تماماً الكفاءة والعمق والتطور. ثالثاً - الإفراط غير المدروس من قبل البنوك التجارية في منح التسهيلات المالية الضخمة للمستثمرين، ضاعف من خطورته افتقاد أغلبية المستثمرين الجدد أبسط درجات الوعي المالي والاستثماري. رابعاً - انعدام الفرص الاستثمارية البديلة في الاقتصاد الوطني، في مقابل اكتظاظه بالفوائض المالية الضخمة المتأتية من الارتفاعات المتتالية لأسعار النفط، وعودة جزء كبير من المدخرات الوطنية المهاجرة بعد أيلول (سبتمبر) 2001. خامساً - قصور السياسات والإجراءات التنظيمية والإشرافية والرقابية عن المستوى المطلوب للتعامل الكفء مع معطيات السوق؛ وذلك إمّا لنقص الخبرة وإما لافتقاد الأدوات الفاعلة أو لعدم وجود خطّة تطوير للسوق تتسم بالشمولية والخطوات المحددة تفصيلاً؛ تستند إلى الأولويات بالدرجة الأولى والسرعة والدقة في التعامل مع المستجدات أو لتجاوز تطورات السوق حدود وقدرة تلك السياسات والإجراءات أو جميع ما تقدّم حسب نوع وحجم تلك المعطيات التي مرّت على السوق. سادساً - انخفاض مستوى التنسيق والتعاون بين الجهات الرسمية ذات العلاقة، وقد أثبت الانهيار فيما بعد ضعفه التام بعدم وجود ما يسمّى بإدارة الأزمات، حتى في أبسط صورها.
حلول الأمس.. تتحول اليوم إلى مشكلة
تعطشّت السوق المحلية كثيراً في زمن صعودها العمودي قبل انهيار شباط (فبراير) 2006 إلى الكثير من الحلول الجذرية، كان من أبرزها الاكتتابات الجديدة لامتصاص الفيض المتدفق إليها بمليارات الريالات! وكما يوضح الرسم البياني المرفق لتطور السوق منذ منتصف عام 2004 إلى إقفال الأسبوع الماضي، فقد كانت تلك الاكتتابات أقل بكثيرٍ من أن ترتقي إلى إرواء عطشٍ تعاظمت مخاطره فيما بعد إلى ساعة الانهيار. كانت الأولوية القصوى بالنسبة للسوق المالية في تلك الحقبة من الزمن معنونةٌ بضرورة "تعميق السوق"، ومن عجبٍ أن عدد تلك الطروحات لم يتجاوز 7 شركات مساهمة، بقيمةٍ رأسمالية لم تتجاوز 9.9 مليار ريال! ومن عجبٍ أن الإقبال العظيم عليها من قبل ملايين المكتتبين الذي فاق مجتمعاً أكثر من 26.7 مليون مكتتب، دفعوا للاكتتاب في تلك الشركات المحدودة العدد أكثر من 93.2 مليار ريال، وصل معدل تغطية إحدى تلك الشركات "اتحاد اتصالات" إلى أكثر من 5100 في المائة! ومن عجبٍ أن كل تلك الأرقام لم يلفت النظر إليها سوى أنها أرقام قياسية ولا أكثر. وصل العدد الإجمالي للأسهم المدفوعة لتلك الشركات الجديدة إلى 308 ملايين سهم، أي بزيادةٍ في إجمالي عدد الأسهم المصدرة في السوق لم تتجاوز نسبتها 11.8 في المائة خلال 19 شهراً، في مقابل ارتفاع أعداد المستثمرين خلال الفترة نفسها من نحو مليون مستثمر إلى أكثر من 3.6 مليون مستثمر، أي بزيادةٍ نسبية فاقت 262.4 في المائة! لقد كان هدف "تعميق السوق" والمطلب الرئيس في ذلك "الزمن الجميل" ضعيفاً جداً على أرض الواقع، وكان أشبه بقطرة سحابة صيفٍ في صحراء قاحلة.
بدأت السوق المحلية مع ضُحى يوم 26 شباط (فبراير) 2006 بالتساقط كأوراق الخريف، لتفقد آلاف النقاط ومئات المليارات من الريالات؛ ارجع إلى أول أسباب سقوط السوق الموضحة أعلاه. تبدلت أوضاع السوق المحلية تماماً من صعودٍ عمودي إلى انحدارٍ عمودي لم يتوقف انهياره إلى هذه الساعة! ولتتبدّل بالضرورة هنا خيارات الحل أو بدائل المعالجة، فهل هذا ما حدث؟! انظر إلى الرسم البياني نفسه لتجد أن الإجابة "لا". في أجواء الانهيار الممطرة بالخسائر الفادحة فُتحت الأبواب أمام حشودٍ من الاكتتابات لم ينقطع طابورها إلى الآن، إذ استقبلت السوق منذ الانهيار وستستقبل حتى نهاية الشهر الجاري نحو 17 شركة مساهمة، تقدّر قيمتها الأساسية المطروحة للاكتتاب بنحو 17.6 مليار ريال خلال ما يقارب العام الكامل! دفع مقابلها أكثر من 36.4 مليون مكتتب نحو 29.4 مليار ريال باستبعاد "كيان السعودية". في ضوء ما سبق؛ كان لا بد من تغيير ترتيب أولويات الإشراف والرقابة على السوق، للتعامل بصورةٍ أجدى مع التطورات المستجدة فيها، فحسب ما اعتادت الأسواق المالية حال انهيارها وبناءً على التجارب السابقة للعديد منها في مختلف الاقتصادات، تستشري هنا المضاربات المحمومة كالنار في الهشيم على أغلب تعاملات السوق، وذاك ما حدث تماماً في سوقنا الحمراء! حيث ارتفعت نسب السيولة المدارة على شركات المضاربة "شركات خاسرة وصغيرة الحجم" من متوسطات نسبية كانت تراوح بين 30 في المائة و40 في المائة من إجمالي السيولة قبل الانهيار، إلى متوسطات تراوح بين 55 في المائة وأكثر من 73 في المائة تتركز على أقل من 5 في المائة من إجمالي القيمة الرأسمالية للسوق! يقف خلفها بالدرجة الأولى البحث عن أسرع الطرق لتعويض الخسائر، وبالدرجة الثانية أن أغلب ساحات السوق أصبحت تفتقر إلى السيولة اللازمة. إن نسباً كالتي أظهرتها السوق أعلاه تعني في جانبٍ آخر أن نحو 95 في المائة من إجمالي القيمة الرأسمالية لبقية الشركات، وصلت حصتها النسبية من السيولة المدارة في السوق إلى أقل من 27 في المائة. لاحظ في الرسم البياني الثاني نقطتين مهمتين: الأولى - التأثير الإيجابي لإيقاف شركتي "بيشة، وأنعام"، وكيف أنها قلّصت من عمليات التدوير والمضاربات العشوائية، وانعكس إيجابياً على أداء السوق. إنها "ثقافة القانون الصارم" وذاك هو المطلب الأول للسوق في الوقت الراهن، لم أبالغ أبداً بمطالبتي لهيئة السوق المالية منذ تأسيسها أن تعلن لمجتمع المستثمرين عن "برنامج إدارة وتطوير السوق" القائم على الأولويات! وأؤكد هنا على مسألة الأولويات، ارجع للمادة السادسة من نظام السوق المالية.
تنطلق الأولويات المنشودة هنا من تحديد الهدف النهائي لذلك البرنامج المطلوب! ثم ما التحديات والمخاطر الجسيمة الكامنة في السوق؟ تلك القاعدة الأساسية ببساطةٍ شديدة. لقد حدد نظام السوق المالية الإجابة صراحةً على الفقرة الأولى بموجب المادة الخامسة من نصّه. أما الفقرة الثانية فأمرها متروكٌ للهيئة حسب متغيرات ومستجدات السوق وتطوراتها. كانت تنبئ تحديات السوق المالية فيما قبل الانهيار، بصورةٍ واضحة لا جدال فيها عن خطرين أساسيين: الأول – محدودية الأسهم المتاحة للتداول مقابل ملايين المستثمرين ومليارات الريالات. كيف نواجهه؟ الجواب: زيادة عدد الأسهم المتاحة للتداول؛ إما بطروحاتٍ جديدة "وزارة التجارة وهيئة السوق المالية"، وإما بتخصيص نسبة من الأسهم المملوكة للحكومة "وزارة المالية"، أضف إلى ذلك فرض مزيدٍ من القيود على البنوك التجارية فيما يتعلق بالتسهيلات البنكية التي أُفرط فيها إلى حدود الجنون "مؤسسة النقد العربي السعودي". إننا نتحدث عن تنسيقٍ نصَّ عليه نظام السوق المالية صراحةً، وضرورة حتمية اقتضتها طبيعة السوق المحلية الناشئة والموزّع مصيرها بين تلك الجهات الرسمية أعلاه، نصّت الفقرة "4" من المادة السادسة في النظام على أن من صلاحيات الهيئة "إبداء الرأي والتوصية للجهات الحكومية في الأمور التي يكون من شأنها المساهمة في تنمية السوق وحماية المستثمرين في الأوراق المالية". الخطر الثاني – القصور التنظيمي والخلل الهيكلي للسوق، وقد حُلَّ جزء لا بأس منه بصدور نظام السوق المالية، وتأسيس هيئة السوق المالية، وصدور ثماني لوائح تنفيذية تباعاً. ويمكن اكتشاف حجم هذا الإنجاز إذا ما قارنت أوضاع السوق المحلية قبل ما تقدم ذكره منذ 1985 إلى منتصف 2004، مع أوضاعها بعد تأسيس الهيئة، ستجد أن الفرق كبير جداً.
ولكن ماذا بشأن ما بعد الانهيار؟! لقد حدث تغيير جذري في تلك التحديات أعلاه؛ إذ ارتفعت وتيرة المضاربات المحمومة كما أوضحت أعلاه، ووصلت إلى معدلاتٍ مرتفعة جداً، ولك أن تتخيل الوضع كم كان سيكون أسوأ من الوضع الراهن لو أن شركتي بيشة وأنعام غير موقوفتين في خضم هذا السيل الجارف من المضاربات الشرسة! إذا التحرّك المأمول هنا من قبل الهيئة هو أن تحكم رقابتها وسيطرتها التامّة على تعاملات السوق للحدِّ من هذه المخاطر الكبيرة، وأن توقع أشد العقوبات حسبما نصَّ عليه النظام على أي مخالف للأنظمة واللوائح التنفيذية دون استثناء! أيضاً بإمكانها أن تتقدّم عملياً باتجاه تقسيم السوق إلى سوقين؛ سوق أول يضم الشركات ذات العوائد المتنامية والكبيرة الحجم. وسوق آخر يضم الشركات الخاسرة والصغيرة، يتم تقييد تعاملاته كوضع حدودٍ مرتفعة لقيم صفقاته، وتأخير تسوية عمليات البيع إلى نهاية عمل اليوم للحد من قدرة المحافظ ولمنع انتشار المضاربات بصورتها الراهنة. أمّا بخصوص الهدف الاستراتيجي المنصب على "زيادة عمق السوق المالية وتوفير فرص استثمارية للمواطنين من خلال الموافقة على طرح أسهم شركات جديدة وإدراجها في السوق المالية"، فلا شك أنه أمرٌ مطلوب وجوهري، ولكن إذا كانت احتمالات تكاليفه أكبر من عوائده كما أثبتت تجربتها الأخيرة في السوق، قياساً على هشاشتها الراهنة، وضعف قدرتها على امتصاص أية أخبار أو متغيرات سلبية مهما ضعف شأنها، في مقابل جمودها شبه التام أمام أية أخبار أو مستجدات إيجابية مهما بلغت قوتها! سابقاً "قبل الانهيار" كانت عوائد تلك الاكتتابات واضحةً كالشمس في كبد السماء مقابل تكاليف لا تكاد تذكر، وللأسف أن عددها وأحجامها كانا شحيحين، ما فوت على السوق فرصة الاستفادة القصوى منها في اتجاه توطيد الاستقرار، والعمل فعلياً بأقل التكاليف وأعلى العوائد على زيادة عمق السوق المالية وتوفير فرص استثمارية حقيقية للمواطنين. ختاماً، أرجو أن تمتص السوق المحلية آثار النتائج المالية المخيبة للربع الأول من العام الجاري، وأن ينجح اكتتاب "كيان السعودية" دون المساس باستقرار السوق المحلية.