رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تعليمنا .. وإعادة اختراع العجلة

لا بد أنك كثيرا ما أشفقت على هؤلاء الصغار، ومنهم ابنك أو ابنتك، وأنت تراهم يحملون خلف ظهورهم حقائب مدرسية مملوءة كتبا وكراريس تنوء ظهورهم بحملها وتنحني تحت ثقلها وكأنهم فرق المارينز أو الكشافة أو متسلقي الجبال أو حتى الرحالة الجائلين.
ثم لا بد أنك تساءلت، أو دار في خلدك شكوك حول جدوى كل هذا "الكم" الذي تغص به الحقائب من الابتدائية حتى الجامعة؟ أين مخرجاته وما نوعها؟ ولماذا بقينا ندرس ما درسه آباؤنا بل قد نزيد فيه كل سنة حشوا وقشورا؟!
ما من أب وأم إلا وعانيا معاناة مريرة في محاولة "تفهيم" و"إفهام" أبنائهم ما يعطونه من مقررات ثم سرعان ما يتخلى الوالدان عن هذه المهمة لأنهما نفسيهما يتعذر عليهما فهم كثير مما في المناهج من عسير اللغة وعصي الاستيعاب ومما يدخل في نطاق الراسخين في العلم!!
إننا نقوم بتدريس أبنائنا اللغة العربية وكأننا نؤهلهم لكي يصبحوا جهابذة قواعد ونحو وصرف ليعملوا في مجامع اللغة العربية وأن يكون كل واحد منهم وكل واحدة منهن سيبويه أو الفراء، وندرسهم المحفوظات وكأننا نريدهم أن يصبحوا مثل الخليل بن أحمد والأخفش وندرسهم البلاغة والمطالعة وفي أذهاننا أن يجمعوا بين قس بن ساعدة الأيادي والجاحظ وعبد الحميد الكاتب وابن المقفع.. وندرسهم الفقه والتوحيد والتفسير كما لو كانوا منذورين ليكونوا قضاة ومفتين وعلماء شريعة، وندرسهم الجغرافيا والتاريخ ليكونوا علماء فيهما، أما التجويد، فأكاد أجزم أنه بالنسبة لأولادنا كما كان لنا أشبه باللغة الطوطمية ولا أعتقد أن أحدنا يذكر منه سوى "يرملون!!". فيما الرياضيات والعلوم الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والأحياء خليط من تاريخ العلوم وما لم يعد يدرس في عصر التقانة والعلم.
إن كم وحجم مقرراتنا وخفة وزنها النوعي والقيمي وتشبثها بخطابات ماضوية لا تتواصل مع العصر ومع منجزات العقل الإنساني، أسهمت في سد شهية التلامذة عن الإقبال على العلم والتعلم فتركزت جل اهتماماتهم على التخلص من محنة المدارس بالحصول على شهادة التخرج للعمل فقط، أما الإبداع، أما الابتكار، أما تلبية احتياجات التنمية، فكلها حديث خرافة يا أم عمرو!!
ومن كان في شك من هذا، ليسأل نفسه، ماذا بقي لديه من أكداس دراسته؟ مجرد أصداء، ونتف معلومات ليس إلا، ولن تجد في الأذهان من البريق والوهج إلا النادر وهو إما بفعل السمات الشخصية كالذكاء أو قوة الذاكرة مثلا، وإما بفعل ضربة حظ جعلت البعض يكمل دراسته في أمريكا أو أوروبا.
وعود على ما ضوية مناهجنا وأنها إنما تخرّج في الغالب كتبة وموظفين يطرح السؤال نفسه: ما بالنا لم نقرأ ولم نسمع عن دول من العالم استعانت بخبراتنا البشرية؟ فلم يحدث أن طلبت دولة عالما فيزيائيا سعوديا أو كيميائيا أو جيولوجيا أو أحيائيا أو عالم رياضيات أو عالم اجتماع أو إناسة أو اقتصاد أو إحصاء؟!
ليس لأننا جنس بشري أدنى من الآخرين، وليس لأنني أشطب بجرة قلم على تميز عديد من الأساتذة والأستاذات في مجالهم ممن تبادلوا الخبرات مع غيرهم سواء في جامعات أو معاهد العالم أو عملوا في مؤسسات دولية، كما أنني أقدر أجل التقدير إنجازاتنا في الطب وبعض العلوم، ذلكم كله رائع جدا، لكن أولئك كما سبقت الإشارة، في الغالب نتاج خصائص ذاتية مما يدخل في نطاق الذكاء والعبقرية أو لأنهم أنهوا تعليمهم في الخارج إني أتحدث عن الحاصل الإجمالي لتعليمنا، عن الدخل الوطني من العقول والابتكار والإبداع، وإلا فدلوني على طلبات من شركات ومؤسسات دولية تم تقديمها لجامعاتنا أو لمصالحنا وشركاتنا للاستعانة بعالم أو مبتكر أو مخترع أو خبير متميز فيها؟! وفي الوقت نفسه قولوا لماذا يجوب زرق العيون وصغارها، شقر البشرات، سمرها وصفرها، طوال القامات وقصارها لماذا يجوب أولئك مدننا وقرانا، مؤسساتنا وشركاتنا ومصالحنا الحكومية ومصانعنا ومعاملنا ومستشفياتنا وكل مواقع الخدمة والإنتاج، أليس لكي يمنحونا خبراتهم وعلومهم ومهاراتهم التي لم يستطع تعليمنا طوال تلك السنين أن يؤهلنا بها رغم المعزوفة المشروخة المملة عن مقابلة مخرجات التعليم لاحتياجات التنمية؟!
وما دام الأمر كذلك، وهو كذلك بالفعل، فالمخرج من المأزق واضح والحديث المكرور عن تطوير المناهج استنزاف للوقت والمال والجهد في مسار قد يعيد إنتاج ذات الأخطاء، ولعل خير وسيلة لإقالة عثرة تعليمنا ليس حقنه بالمنشطات بالإضافة أو الحذف بين الحين والآخر وإنما باختيار مناهج تعليمية ثبتت قدرتها على صناعة التقدم، مثل المنهج الأمريكي، أو الأوروبي، أو الياباني أو الكوري أو الصيني، فمقررات العلوم لا جنسيات لها ولا هويات، وتبقى مادتا اللغة والدين وهما المادتان الخاصتان بثقافتنا وعقيدتنا يمكن تدبر أمرهما بحصافة .. أما ماعدا ذلك فكأننا نعيد اختراع العجلة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي