أما آن للتسول أن ينتهي؟!
لسنا مجتمعا دون غيره من المجتمعات بلا محتاجين أو فقراء .. وتاريخ هذه الأرض ظل منذ أزمنة الشح إلى أزمنة الوفرة مجتمع تكافل وحياء .. الميسورون يسعون إلى تلمس حاجات غير القادرين ويكفونهم مذلة السؤال. والمحتاجون كثيراً ما يتعففون, فلا هم يمدون أيديهم وإنما يجهدون أنفسهم في الاحتيال على أسباب الرزق بطرق كريمة.
غير أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نلحظ تناميا لأعداد المتسولين بسحنات وملامح ولهجات, اختلط فيها من هم منا بغيرنا .. فيهم الرجال والنساء والأطفال يلجأون إلى مفارق الطرق وعند أقدام الإشارات الضوئية والأسواق وأبواب المساجد والبنوك, بل إن طائفة منهم قد تستوقفك في عرض الطريق إن كنت راجلا أو تطلب إليك التوقف إن كنت تقود عربتك, بعضهم يدفعون أمام عينيك بمشوهين أو بأوراق ممهورة تثبت عجزهم, وبعضهم يلقي عليك بموال عاطفي يستدر فيه شفقتك, من خلال كلام محفوظ يسمعك إياه هذا كما يعيده عليك الآخر وهكذا دواليك.
من أين جاء هؤلاء؟ قيل تسربوا من ثقوب الحدود بطرق غير شرعية, قيل هم أصلا كامنون في مجمعات عشوائية أو في بيوت خربة في أزقة الحارات القديمة, قيل هم خاضعون لعصابات ولهم رؤساؤهم ومراقبوهم ولهم مدربوهم ولهم جباة وإنهم يعملون برواتب ولهم أوقات دوام معلوم ويمارسون نشاطهم وفق مخطط استراتيجي لفن الشحاذة, وقيل إن فرق مكافحة التسول تتعقبهم وإنهم يقعون في قبضة هذه الفرق, لكنهم حين تنتهي مدد حجزهم يعاودون التطواف في شوارع المدن, وإنه إن غاب بعضهم ينوب عنهم سواهم, وهلم جرا.
والسؤال: إن كان أداء فرق مكافحة التسول لم يثمر في قطع دابر هؤلاء فهل الخلل ناجم عن الطريقة التي تتم بها الملاحقة والقبض؟ أم للكفاءة في التنفيذ؟ أم لقلة أعداد هذه الفرق؟ أم ماذا؟
وإذا نحن تركنا ما يخص فرق المكافحة .. فأين دورنا نحن كأفراد مجتمع نجأر بالشكوى ولا نفعل شيئا؟ ألسنا حين نقدم لهم شيئا من المال نشجعهم على المثابرة على المهنة؟ ثم.. هل نملك حجب الخير فينا لمجرد أننا نشك في هذا المتسول أو تلك؟ ألا يعني زجر أنفسنا عن مساعدتهم تحت أي ذريعة أسلوبا لا يتفق مع ما حثنا عليه ديننا الحنيف وما تحفزنا إليه شيمنا العربية، وأن الأمر يتطلب إزاحتهم لكيلا يلوثوا ما فينا من تلك القيم النبيلة؟!
إن بقاء هذه الظاهرة واتساع نطاقها يدعونا إلى أن نبادر إلى علاجها لأنها تشكل خطورة على السلم الاجتماعي من حيث التأسيس لسلوك غير سوي في الحصول على المال، وما قد ينجم عن أولئك من تهديد بأعمال السطو والعنف والسرقة أو ما قد يقومون به تحت ستار الشحاذة من نشر للمخدرات والرذيلة.
مكافحة ظاهرة التسول حماية للصورة الحضارية لبلادنا, وحماية لنا من شرورهم وحماية لهم من شرور أنفسهم. وعليه يبقى السؤال: أما آن للتسول أن ينتهي؟!