التربية والتعليم..مهرجان .. وطفشان!
حضرت قبل أيام المهرجان الثالث للتربية الخاصة الذي أقيم في أحد المرافق الترفيهية في العاصمة الرياض، وتفاءل الآباء والأمهات كثيراً بسبب انعقاده في هذا المكان لاعتقادهم أن العملية ستكون حافلة بالترفيه... من وإلى!
حضر العشرات من الأهالي في الموعد المحدد، تمام السادسة مساءً، وذلك لأن ورقة الدعوة تقول إن المهرجان يبدأ في السادسة وينتهي في العاشرة. إلى هنا والحديث عن فكرة ذهنية مرسومة لمهرجان يعنى بذوي الاحتياجات الخاصة.
مرت الساعة الأولى.... دون أن يكون هناك أثر لأي نشاط "مهرجاناوي" بخلاف هيكل المسرح المنصوب في نهاية الممر!
وقلنا: لا بأس، ننتظر قليلاً!
في الساعة السابعة والنصف يصدح صوت أحد الواقفين على المسرح معلناً ابتداء فعاليات المهرجان ومعلناً عن فقرات الحفل، وما إن قال "حفل" حتى بدأ القلق يتسرب إلى نفوس الحضور، فالأساس في الأمر أن الحشد أتى للاستمتاع بفعاليات مهرجان! المهم، أتى الرجل على فقرات حفلهم ولكم أن تتخيلوا ما تضمنته تلك الفقرات.. تابعوا معي:
كلمة للمسؤول فلان، وكلمة لوكيل المسؤول فلان، ثم كلمة لمدرسة فلان الأهلية، تتبعها كلمة لمدرسة علاّن الأهلية أيضاً، يليها نشيد، وختامها توزيع دروع أو شيء من هذا القبيل!!
حدث هذا... وساد الوجوم وجوه عدد كبير من أولياء الأمور الذين آثروا الحضور حرصاً منهم على المشاركة بالرغم من الأجواء المغبرة والرياح الشديدة الصفرة! ولفت انتباهي حينها تعليق من طفل نابه لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، حضر بمعية والده وأخيه الذي تبين أنه طفل توحدي، وسمعته يعلق على خيبة الأمل قائلاً: "هذا مو مهرجان يا بابا، هذه الحفلة تشبه إذاعة الصباح في مدرستنا، يعني يا بابا مافيها ترفيه ولا شي!"
لن أجد ما أصف به ما جرى بأبلغ مما قال هذا الطفل الرائع، فهذا الجمع من رجال ونساء احتشدوا في هذا الموقع لتحقيق حلم راودهم طويلاً، وموجزه أن يتسع الزمان والمكان ولو لمرة واحدة في العام لأمنية شديدة الخصوصية وفحواها أن يشترك ابنهم أو ابنتهم مع أشقائهم وأقرانهم في اللعب دون خوف ودون ترقب لما قد يصل لأسماعهم من تعليقات شخص مستعجل أو مستبد(.)
الجزئية الشديدة المرارة في المسألة أن القائمين على الحفل هم من مختصي التربية الخاصة، ويعلمون يقيناً أن أغلب الأطفال غير قادرين على الانتظار والامتناع عن اللعب في مدينة للملاهي ريثما تنتهي كلمة زيد وكلمة عبيد! وما زاد الأمر تعقيداً هو أن مرافق الملاهي كانت شبه معطلة أو معطلة بالكامل لحين انتهاء السادة المحتفلين "لوحدهم" من إلقاء كلماتهم على الحضور الذي لم يأت أساساً للاستماع لـ "كلمات"!
وبعد دقائق قليلة، توالى انسحاب الأسر من الحفل، في الوقت الذي كانت تدور فيه عند المداخل والمخارج رحى معارك من نوع آخر، كان السبب فيها محاولة بعض الأمهات الدخول بعد الساعة السابعة اعتقاداً منهن أن هناك مهرجانا حقيقيا لأطفالهن من ذوي الاحتياجات الخاصة!
لا حاجة لكم ولي في إطالة سردية، لكن ما أود قوله، إذا سمحتم لي، هو أن لدينا عجزا واضحا في آلية التفريق بين الاحتفال بالمسؤول والاحتفاء بـ.... طفل!