هل حان وقت فك الارتباط بين الدولار والريال؟

هل حان وقت فك الارتباط بين الدولار والريال؟

كثر الحديث في السنوات الماضية عن العلاقة بين الريال السعودي والدولار الأمريكي (الارتباط). ونادى الكثير لفك هذا الارتباط كليا أو جزئيا، وخاصة حين أطلق اليورو ليصبح عملة دولية يمثل كتلة اقتصادية من أقوى الكتل في العالم.
وأدليت بدلوي حول هذا الموضوع، بطريقة غير مباشرة، بمقطع قصير في مقالة ليس لها، إلى حد ما، علاقة بهذا الموضوع وانتهيت إلى القول إنه لم يحن الوقت بعد. وإنه ليس من صالح أي دولة، والسعودية ليست استثناء، أن تغير ارتباط عملتها كلما عثر حظ تلك العملة المرتبط بها. فتذبذب أسعار الصرف بين العملات شيء طبيعي حين يكون بقدر معقول. ولنتذكر قصة إطلاق اليورو وارتفاعه مع مرور الزمن القصير إلى 1.30 دولار ليهبط بعد ذلك إلى نحو 85 في المائة من الدولار. ليعود هذه الأيام إلى نحو 1.32 دولار (وهكذا تدور الأيام دائما ومعها حظوظ الأمم وعملاتها).
ارتباط عملة بأخرى أو بسلة من العملات، منطقيا، تقودها وفي النهاية تفرضها العلاقات وحجم تلك العلاقات التجارية بين الدول (المصالح الاقتصادية). فليس من صالح أي دولة أن تربط عملتها بعملة دولة أخرى مهما كانت قوية ودولية إن لم يكن بين الدولتين حجم من التجارة يتطلب تلك العلاقة. فالمسألة مصالح وليست عواطف، مع كل احترامي لمن حاول فك الارتباط بين عملة دولته ودولة أخرى نظرا لعدم محبته السياسية بالذات لتلك الدولة. فمصالح الشعوب يجب ألا تكون سلعا يحرج عليها أحيانا حسب أهواء الساسة.
كان الاقتصاد السعودي متواضعا وفي أوائل الستينيات الميلادية من القرن الماضي، بدأت القيادة السعودية تنظيم نقدها بمساعدة صندوق النقد الدولي. وإن لم تخني الذاكرة فالسعودية جربت عدة طرق لربط الريال بسلة عملات حتى استقرت أخيرا على ربطه بالدولار الأمريكي فقط. وهكذا أصبح الريال صورة مطابقة من تلك العملة الدولية (الدولار). يرتفع مثلما يرتفع الدولار، والعكس صحيح، ونرفع الفائدة على الريال (تكلفة الإقراض)، كلما ارتفعت بالنسبة للدولار. وهذا ليس عيباً بل حكمة نقدية وفي النهاية اقتصادية خدمت الاقتصاد السعودي جيداً وما زالت إلى درجة ما.
ومع نمو الاقتصاد السعودي وتكدس الاحتياطيات النقدية بين الحين والآخر منذ 1972، توسعت العلاقات التجارية بين السعودية ودول العالم المؤثرة في التجارة الدولية وأصبح للمملكة ثقل ووضع يختلفان كثيراً عن الماضي. وكان لزاماً على السعودية أن تكون عملتها مرتبطة بطريقة ما مع عملة أو عملات لتسهيل التجارة بينها وبين شركائها. وحين اختير الدولار الأمريكي ليكون شبه المرجع الدولي (المثبت) للعملات لأنه كان العملة الوحيدة القادرة على خدمة التجارة العالمية وحجمها المتزايد باستمرار. ولأنه كان كذلك يتصف بالاستقرار، إلى حد ما في قيمته (سعر صرفه)، لأن أكثر العملات المهمة تجارياً في العالم كانت تدور في فلكه المتصف بالاستقرار والمدعوم من قبل أكبر اقتصاد في العالم. ذلك الاقتصاد الديناميكي الذي كان يعطي بكل كفاءة وباستمرار وكأن لا نهاية لعطائه من خلال زيادة الإنتاجية بالذات. هذه كانت من أسباب اختيار العالم الدولار، أما بالنسبة للسعودية فإضافة إلى ذلك وما زالت الولايات المتحدة الأمريكية الشريك التجاري الأول لها وتلتها اليابان ومن ثم ألمانيا. وهذه الدول الثلاث مجتمعة تصدر للسعودية ما يعادل 33.2 في المائة من مجموع واردات السعودية حسب إحصاءات 2004. ولاحظ أن كلا من هذه الدول تمثل عملة دولية هي الدولار والين واليورو وإذا أضيفت نسبة بعض الدول المهمة مثل فرنسا التي تستعمل اليورو فإن 44.3 في المائة من مجموع واردات السعودية يتعامل مباشرة مع هذه العملات الثلاث (هو مثال للإيضاح .. ومن أراد تفاصيل أكثر فليرجع إلى التقرير السنوي القيم الذي تصدره مؤسسة النقد العربي السعودي).
خدم ارتباط الريال بالدولار الاقتصاد السعودي جيداً، غير أن اتساع الشراكة السعودية التجارية وتنوعها في دول العالم أدخل عملات أخرى مثل الين واليورو وغيرهما يجب على السعودية التعامل معها. إذن نحن أمام ظاهرة تحتم على السعودية ألا تربط عملتها بعملة واحدة نظراً لتنوع مصادر وارداتها. وهذا يتطلب من المملكة التفكير الجدي والسريع في ربط عملتها بسلة من العملات التي تمثل مناطق تجارية أثبت الزمن أن علاقة المملكة التجارية معها مستقرة ومستمرة. والسنون المقبلة حبلى بالمتغيرات وعلى المملكة أن تكون مستعدة للتكيف بكفاءة مع ما تفرضه عليها مصلحتها التجارية. ولنلاحظ ما هو حادث أمامنا في هذا العالم من ناحية ظهور العملاقين الصين والهند. وقارن علاقة المملكة بهما تجارياً بين الماضي والحاضر .. استوردت السعودية من الصين ما قيمته 688 مليون ريال في 1984 وهو يعادل 0.005 في المائة من مجموع قيمة واردات المملكة في تلك السنة. ووصل إلى 16521 مليون ريال في 2005 وهو يعادل 7.4 في المائة من مجموع الواردات السعودية في تلك السنة. هذا تحول كبير جداً ويشير إلى قدوم شريك تجاري كبير للسعودية بالذات. وبالمناسبة فالصين هي الشريك الرابع للسعودية بعد أن كانت المملكة المتحدة تحتل ذلك الترتيب. وإذا استمرت الأمور على ما هي الآن فقريبا ستصبح الصين هي الشريك الثالث وليس ألمانيا. وما ذكر بالنسبة لعلاقة المملكة التجارية بالصين ينطبق على علاقتها مع الهند ولو بحجم أصغر نسبيا. استوردت السعودية من الهند ما قيمته 997 مليون ريال في عام 1984 وهو ما يعادل ما نسبته 0.008 في المائة من مجموع قيمة واردات السعودية. وارتفع إلى 5314 مليون ريال في 2004 وهو ما يعادل 3.2 في المائة من مجموع قيمة الواردات في تلك السنة.
ما ذكرته أعلاه بالنسبة للصين والهند بالذات هو مثال على أن العلاقة التجارية بين السعودية وبعض دول العالم تتغير بحجم كبير وباستمرار مع كل تقدم في الاقتصاد السعودي ناهيك عن حاجة تلك الدول للبترول السعودي. ولهذا فعلى العملة السعودية أن تتغير مع هذه المتغيرات من أجل خدمة الاقتصاد السعودي بكل كفاءة. كل هذا يقودنا إلى القول إن علاقة المملكة التجارية (الواردات كمثال) بدأت تتغير تدريجيا وباستمرار إلى درجة ما من جهة واحدة إلى عدة جهات مؤثرة في هذا العالم. وهذا مؤشر على أن ارتباط الريال بالدولار وحده ليس كافيا ويجب أن يرتبط بسلة من العملات، أضف إلى ذلك أن دولار هذه الأزمان يمثل الآن دولة مدينة جدا، بغض النظر عن كل قوة اقتصادها العظيم، وليس كما كانت دولة دائنة. وهي مدينة لدول ليست ضعيفة اقتصاديا أو حتى عسكريا كذلك (مثال اليابان والصين). إذن حان الوقت للتفكير في فك الارتباط بعد التفكير الجاد والتحليل العميق السريع لكل العوامل المؤثرة مثل الأرصدة السعودية بالدولار وكذلك الاستثمارات وحتى تسعير صادرات المملكة البترولية بالدولار للوصول إلى موقع التوازن بين العملات الذي سيخدم الاقتصاد السعودي جيدا بإذن الله.

ذكرنا حتى الآن أن الثقل التجاري لشركاء السعودية التجاريين، حجما ونسبة، بدأ يتغير مع تطور ونمو الاقتصاد السعودي من بسيط إلى اقتصاد حديث، مما يحتم على السعودية ربط عملتها بسلة من العملات وليس عملة واحدة. أضف إلى ذلك أن السعودية، عمليا، بدأت تعاني من جراء انخفاض سعر صرف الريال، فمنذ سنة 2000 (التقرير السنوي – ساما – الثاني والأربعين - ص 203) انخفض حقيقيا بما يعادل 17.7 في المائة. ماذا استفادت السعودية من هذا الانخفاض! يجيب التقرير.. وقد دل الانخفاض في سعري الصرف الفعلي الاسمي والحقيقي على تحسن الوضع التنافسي للمملكة مقابل شركائها التجاريين.." اعتمادا على فكرة تشجيع التصدير للسلع غير البترولية.

وإليكم ما يلي:
كان مجموع صادرات السعودية في عام 2000، 290553 مليون ريال منها 265747 مليون قيمة صادرات البترول، إذن صادرات سلع غير بترولية يساوي 24806 ملايين ريال. استوردت السعودية في تلك السنة (بعد استبعاد نسبة 15 % تقريبا حصة الولايات المتحدة الأمريكية في مجموع الواردات) 96272 مليون ريال. وفي سنة 2004 صدرت السعودية ما مجموعة 472491 مليون ريال، منها 415696 مليون صادرات بترولية والباقي ما قيمته 56795 مليون ريال صادرات غير بترولية أصبحت منافسة دوليا بسبب انخفاض سعر صرف الريال. وأستوردت في تلك السنة (بعد الاستبعاد) ما قيمته 142624 مليون ريال، أصبحت مكلفة أكثر من ذي قبل (كتقدير أولي للإيضاح) لسبب انخفاض سعر صرف الريال. وبما أن قيمة الواردات في الأمثلة السابقة أكثر من قيمة الصادرات غير البترولية... مما ربحت من جراء تخفيض سعر صرف الريال. ثم ما هو هذا القطاع الصناعي غير البترولي والذي يجب على الاقتصاد السعودي دفع ثمن تشجيعه بهذا القدر بتخفيض سعر صرف الريال بهذه النسبة في مدة قصيرة نسبيا. تشجيع التصدير عامة والسلع المصنعة خاصة، له طرق أخرى أقل تكلفة على الاقتصاد.

انخفض الريال بسبب ارتباطه كليا بالدولار ولأن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من عجز كبير في ميزان مدفوعاتها الجاري (السلع والخدمات) فمن صالحها أن تخفض سعر صرف عملتها من أجل تشجيع تصدير سلعها ونحن ليس لنا ناقة ولا جمل. وما ينطبق على السعودية في هذه الحالة ينطبق على أي دولة عملتها مرتبطة بالدولار كليا.
من كل ما سبق حان الوقت إذن لفك ارتباط الريال بالدولار فقط. ليس لأن سعر صرف الدولار الآن أقل مما كان فهذا يحدث دائما من حين لآخر بالنسبة للعملات الدولية، بل لأن شركاء السعودية التجاريين ازداد عددهم والكثير منهم لا يتخذ الدولار عملة لتجارتهم. ومن واجب السعودية أن تنوع وتبتعد ولو جزئيا عن الدولار لأن في التنويع تقليلا للمخاطر وتعظيما للفوائد.
هي دعوة للتفكير والتحليل بكل جدية وليست دعوة لقلب الأمور رأسا على عقب في ليلة وضحاها كما يعتقد بعض مجتهدي الأمس، الذين ثبت خطأ اجتهاداتهم. إنه عالم سريع التغير تبنى فيه ثروات في مدة قصيرة وتختفي منه ثروات بأسرع مما جمعت. وتسنح فيه فرص ومن لا يمسك بزمامها يفقد نصيبه الذي أتيح له وسيتراجع مقامه بين الدول، في حين أنه عالم، مع الأسف، لا يحترم إلا القوي.

الأكثر قراءة