رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"آلة المضاربات" تبتلع 146.3 مليار ريال في 4 أيام

[email protected]

يستمر النزيف المالي الكبير في القيمة الرأسمالية للسوق السعودية، ليفقد نحو 11 في المائة قيمته أي ما يفوق 146.3 مليار ريال خلال أربعة أيام عمل للسوق، منحدراً من 1.34 تريليون ريال بنهاية يوم الأحد 25 آذار (مارس) الماضي إلى 1.19 تريليون ريال بنهاية إقفال أمس السبت 31 آذار (مارس)! وليفقد المؤشر خلال الفترة ذاتها 924.23 نقطة، أي أنه خسر أكثر من 10.7 في المائة. يوماً بعد يوم يثبت لنا جميعاً أن مصير السوق المحلية بيد المضاربات لا بيد أحدٍ آخر! وأن الهدف الأساس من إيجادها ليس في الإمكان مشاهدته في الوقت الراهن، في حين أن التلاعب بمقدرات السوق أصبح كما يبدو هو السمة الغالبة في عالم الأسهم المحلية. لست أبالغ هنا، فواقع السوق كما تثبته الأرقام المنشورة مع هذا التقرير وغيرها مما لم يتسع المجال لنشره تؤكد حقيقة ما أورده هنا بكل أسف. فتح ترهل الهيكل التنظيمي للسوق، وهشاشة معطياته، أؤكد فتح ذلك الأبواب أمام تدفق الكثير من السلبيات القاتلة، التي بلا جدال يمكن أن تؤدي في ختام الطريق إلى طرح السوق المالية أرضاً. ذكرت سابقاً ألا جديد في المسألة المرتبطة بتردي حالة السوق، وفقدانها تلك المليارات من الريالات على حساب ملايين المستثمرين فيها، والسبب في ذلك أن واقع السوق الهش وغير المتطور لا يستطيع أبداً التصدّي لتلك المغامرات القادمة من الأسوار الخلفية فيها، أو قل من المناطق المخفية. قد ترتد السوق اليوم أو غداً، وقد تنسى ذاكرة الملايين من المستثمرين، ومليون "قد" يمكن أن تحدث في المستقبل، ولكن هل تمَّ القضاء على الأرضيات الصلبة التي تقف عليها مسببات ما حدث ويحدث، وما سيحدث غداً؟!
مربط الفرس أيها الأخوة والأخوات، أن الكثير منا قد أعتاد الكسب السريع في السوق، ولم يعلم أن لكل صعودٍ نهاية حتمية، طال الزمن أو قصر. راقبوا معي حجم الارتفاعات "الرهيبة" في أسعار الشركات المنتمية دون منافسة إلى نادي المضاربة الكبير في سوقنا المحلية، إنها أرقام يسيل لها اللعاب بادئ الأمر، ولكنها حين تسقط القلاع المشيدة من الوهم والضلال المبين، فإنها تلحق الدمار بالكبير والصغير، وتنزع الثقة الكلية في السوق. أن نقف مما يحدث في السوق موقفاً مسؤولاً وجاداً، والخطاب موجهٌ للجميع دون استثناء، وليست هيئة السوق المالية وحدها مسؤولة عما حدث ويحدث من تهاو مؤلم لمليارات الريالات الآتية من ثروة الاقتصاد الوطني؛ فالجميع مسؤول. يسهل علينا أن نطبق النظام والعقوبات المنصوص عليها فيه على المخالفين، ولكن كيف نوقف الاندفاع الهائل تجاه المضاربات المحمومة؟! على من تقع مسؤولية اتخاذ قرارات البيع والشراء؟! تلك أسئلة محورية لم ولن تجد لها إجابةً في سوقنا المحلية. لذا، لا بد من تغيير قواعد اللعبة! طريق التأخير والمعالجة بالتوعية والتنبيه لم تثبت له جدوى مع الآذان المغلقة من أغلب أفراد مجتمع المستثمرين، وعليه يظهر لنا بقوةٍ خيار "قلب" الطاولة على هجوم الخصوم "كبار المضاربين"، وهو ما حاولت اختصاره في الحلول العاجلة التالية:
حلول عاجلة الآن
أعتقد أن إيجاد حلٍّ شافٍ في الأجل القصير لهذه النكبات المتكررة في سوقنا المحلية أقرب إلى الصعوبة منه إلى السهولة، ولكن ذلك لا يعني الوقوف موقف المستسلم أمام هذه الفوضى العارمة في السوق، خاصةً أن نتائجها الفادحة تُقدر بعشرات المليارات من الريالات! هنا اقترح عدداً من المقترحات العاجلة الممكن تطبيقها في الوقت الراهن لإيقاف هذا النزيف الملياري من السوق المحلية، تتلخص تلك المقترحات في الآتي:
1. استمرار هيئة السوق المالية في إصلاحاتها الهيكلية للسوق، والاسراع في إصدار بقية اللوائح التنفيذية التي تحكم سيطرتها على السوق، ووضعها موضع التنفيذ الصارم دون استثناء لأي طرفٍ في السوق.
2. تقسيم السوق المالية السعودية إلى سوقين؛ سوقٌ تضم الشركات المساهمة الرائدة ذات الرأسمال الكبير وذات الأداء المربح من نشاطها التشغيلي الأساسي وسوقٍ أخرى منفصلة عن السوق الأولى، تضم في أروقتها الشركات المساهمة الصغيرة الحجم والتي لا تتمتع بأداءٍ مربح منافس من نشاطها التشغيلي الأساس، تحت شروط صارمة للتداول. لعل من أهم تلك الضوابط التنظيمية في هذا الجزء من السوق أن توضع حدود مرتفعة لحجم الصفقات التي تتم على أسهم تلك الشركات، يتم ربطها بنسبة معينة من حجم رأسمال الشركة، وذلك لمنع صغار المستثمرين من التورّط في أسهم تلك الشركات، ويمكن أن ترواح تلك النسب بين 1 في المائة إلى 5 في المائة بحدٍ أقصى. أيضاً يمكن تأجيل تسوية صفقات البيع التي تتم إلى نهاية يوم التداول كإجراء لكبح عمليات التدوير اليومي في السوق. وفي رأيي أن البدء بتشغيل أنظمة التداول الجديدة المتوقع في منتصف أيار (مايو) المقبل ستساعد كثيراً على إمكانية تنفيذ هذا التقسيم، والتي بدورها ستساعد كثيراً في الحد من وتيرة المضاربات العشوائية المحمومة في السوق، التي نتجرّع في الوقت الراهن نتائجها المدمرة.
3. أن توقع الهيئة أشد العقوبات صرامةً على أي متورطٍ في عمليات للتدوير والغش في السوق، كما يجب أن تضطلع السوق المالية السعودية "تداول" بدورها في السوق؛ بإن يظهر للرأي العام عبر مؤتمر إعلامي في نهاية عمل كل يوم تداول يتسم بتطورات ملفتة كالتي حدثت في الآونة الأخيرة، يوضح فيه أية نقاط غامضة والإجابة على الاستفسارات الملتهبة في وسط السوق، ارتقاءً إلى مستوى الشفافية والافصاح المأمول في السوق، ومنعاً لانتشار أية مغالطات أو إشاعات مضللة، أثبتت التجارب السابقة أنها واحداً من أكبر المؤثرات السلبية في طبيعة التعاملات في السوق.
4. أن تقوم الهيئة بتعليق تداول أسهم الشركات المساهمة التي ترتفع بطريقةٍ غير مبررة ودون وجود أسباب جوهرية تفسّر تلك الارتفاعات الغريبة، وألا تكتفي بنشر رد الشركات المساهمة بعدم وجود أية معلومات جوهرية حول نشاطها يبرر صعود سعر سهمها أثناء التداول اليومي. وكما يتضح من الجدول المرفق حجم الارتفاعات القياسية وغير المبررة لأسهم بعض الشركات المساهمة في أقل من شهرين فقط؛ فاقت بعضها نسبة 162 في المائة لسهم شركة الباحة، و 158 في المائة لسهم شمس، و 135 في المائة لسهم شركة الشرقية الزراعية، واللائحة المضاربية يطول شرحها هنا. لقد أثبتت سياسة الاكتفاء بالاستفسار عجزها التام عن كبح جماح الارتفاع المتواصل لأسعار أسهم تلك الشركات المساهمة التي لا يسمن أدائها الفعلي ولا يغني من جوع! وعليه لن يجدي في مثل هذه الحالات إلا التعامل مباشرة مع السهم إما بتعليقه أو إيقاف تداوله، بل حتى لو تطلب الأمر إبطال أية صفقات تمّت عليه تحوم حولها الشكوك بوجود تلاعب أو غش، وتلك هي الروح الحقيقية للنظام واللوائح التنفيذية، التي لأجلها تم إيجاد الأنظمة ووسائل الرقابة.
5. سرعة إيجاد "صندوق استقرار السوق" المفترض أن يضطلع بمهمة أساسية وحيدة، تتلخص في امتصاص الصدمات المفاجئة التي تصعق السوق من وقتٍ لآخر، كما أنه ليس الهدف من إيجاده أن يرفع المؤشر العام أو يخفضه، إذ ينحصر دوره في كبح جماح الارتفاعات غير المبررة، وكذا الحال بالنسبة للانخفاضات غير المبررة في قيم أسهم الشركات ذات العوائد. كما يجب وضع ضوابط لعمل هذا الصندوق حتى لا يتحول فيما بعد إلى منافسٍ عملاق آخر لصغار المستثمرين، والظروف الآن تلائم البدء في عمله خاصةً بعد صدور لائحة صناديق الاستثمار.
6. الزام شركات الوساطة المالية الجديدة (أكثر من 49 شركة وساطة) ببدء العمل خلال فترة وجيزة من منحها التراخيص، خاصةً أن أغلبها ممن لم يبدأ عمله قد قارب على تجاوز المدة النظامية (12 شهراً من تاريخ حصوله على الترخيص) في الوقت الذي لم يلح في الأفق ما يُشير إلى توافر القدرة لديه على بدء عمله.
7. أن تضع مؤسسة النقد العربي السعودي سياسات وضوابط صارمة على البنوك التجارية فيما يتعلق بمنح التسهيلات المالية للمستثمرين، ولعل أهم تلك الضوابط ربط منح التسهيل من عدمه بجدوى الاستثمار الذي سيقدم عليه المستثمر، والهدف هنا؛ تحفيز الاقبال على أسهم الشركات ذات العوائد، واقفال الأبواب أمام السيولة الراغبة في خوض غمار المضاربات العشوائية.
8. أن يقوم المستثمرون بترشيد قراراتهم الاستثمارية، وبناء قواعد عقلانية متزنة لقرارات البيع والشراء أثناء التعامل، ما يعني في اتجاهٍ آخر الابتعاد عن خوض مغامرات المضاربات العشوائية المجنونة! والاعتماد في بناء القرارات على المعلومات الأساسية في قوائم الشركات المالية. وهاهي التجربة الأخيرة تثبت لنا جميعاً بالدليل القاطع أن حبل تلك المضاربات قصيرٌ جداً، ويمكن أن يتهاوى في أي لحظة من اللحظات! ومن المفيد التأكيد عليه هنا؛ أهمية الاعتماد على الخيارات الاستثمارية المتوقع اتساعها مع البدء الفعلي لشركات الوساطة بممارسة أعمالها، إذ تتوافر لتلك الشركات والمؤسسات خيارات وخبرات أفضل بكثير مما هو متوافر لدى المستثمرين الأفراد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي