مال النزوح..!
في هذه الزاوية تحديداً، وقبل أعوام ثلاثة، دوّن كاتب هذه السطور من خلال ما يرد للبريد من تفاعلات القراء المسكونين بهاجس أبوتهم أو أمومتهن، مخاوف من أن يكون هناك نزوح من بعض الأهالي لدول الجوار بحثاً عن أي جاهزية لاحتواء معضلة أطفالهم الذين يعانون من اضطرابات نمو تفاعلية كالتوحّد أو النشاط الزائد أو اضطراب تشتت الانتباه.
وها هي الأيام تأتينا بما نهاب، فالقصص تقول إن عدداً لا يستهان به من الأسر السعودية توجهوا لبعض دول الجوار لتسجيل أبنائهم وبناتهم ضمن برامج التعليم والتأهيل من خلال الإيواء الكامل في بعض العواصم العربية (.)
التفاصيل الأخرى التي ستدفعكم للوقوف ضمن طابور المتعجبين كثيرة، واسمحوا لي هنا أن آتي على أهمها، في تصوري، وهو أن حكومة المملكة بسخائها المعتاد تدفع عن كل طفل تكاليف تعليمه وتأهيله وإيوائه في تلك الدول بما لا يقل عن خمسة وأربعين ألف ريال سنوياً!! يحدث هذا بمجرد أن يقدم رب الأسرة ما يثبت عدم توافر إمكانية العلاج أو التأهيل في المدينة التي يسكن فيها في وطنه، لتتولى بعد ذلك سفارة حكومة خادم الحرمين مهمة التنسيق والمتابعة لضمان حصول المدارس الأهلية في تلك العاصمة العربية على "مستحقاتها".
تأتي هذه التفاصيل، وأكثر، ضمن البوادر العديدة لكشف حرص حكومة المملكة العربية السعودية على توفير أسباب الاحتواء لمشاكل المواطنين أينما كانوا، وهذا نهج.. لا افتعال.
السؤال الذي يطل برأسه بمجرد أن تطالعك الأيام بوقائع كهذه هو: ألم يكن من باب أولى أن توفر وزارة الصحة فريقاً طبياً مؤهلاً لتوفير العناية الصحية اللائقة بأطفالنا.. هنا في بلادنا؟
ينتقل بك التساؤل إلى مساحة أرحب، فتقول لنفسك متسائلاً: ألم يكن من الأولى أن تراقب وزارة التربية مستوى أدائها خلال العقود الماضية، وتعترف بالعجز، ومن ثم تعمل على علاج القصور ليتم احتواء هؤلاء الأطفال على أرض الوطن؟
ولو شئنا أن نستقر في كنف القناعة بضعف أداء الجهتين، فعندها سيلاحق عقلنا المنهك سؤال جديد يقول: ترى ما حجم المسؤولية المالية الملقاة على عاتق الوزارتين في حال احتسبنا ما تم إنفاقه خلال عقود مضت؟ وكيف ستتمكن أي من الوزارتين من تعويض ما أنفق خصوصاً إذا اتفقنا أن الجهتين لا تحظيان بمردود مالي مشابه لما تجنيه بعض القطاعات الخدمية؟!
هذا على الصعيد المادي، أما على المستوى المعنوي فلن تجد سؤالاً أقسى من التالي: من سيعوض على أم ما فاتها من حقها في احتضان وليدها أو وليدتها وضمها إلى صدرها كل ليلة؟
الموضوع موجع في تبعاته، والبوح في المسألة.. بكاء.
ترى ما ضرنا لو قلنا: أعيدوا أبناءنا.. ونسوق كل الرجاء!
أترانا أيقنا أنه لم يبق في البلد من يستطيع الاستثمار في "فصول" التربية الخاصة؟
أترانا، كأجهزة، عاجزين عن عقد شراكة مع رأسمال "قريب" لنضمن على الأقل بقاء أطفالنا في "مستقرهم"؟
الأسئلة كثيرة..
لكن المسألة مترجمة يا سادة في صوت كل طفل رحل..
ونحيب كل أمٍ.. عادت!