كيف لا نتقدم

fawazhf@ yahoo.com

يقف الاقتصاد السعودي على عتبة تحول جديد إذا ما استطعنا حسن اختيار القيادات الاقتصادية وتعلمنا من تجربتنا لصنع قرار اقتصادي إداري مغاير عن الوتيرة الماضية خلال العقدين الماضيين على الأقل، حيث برزت ظاهرة أنه عندما تكون هناك مشكلة في قطاع معين نلجأ إلى تشكيل لجنة عليا لحل المشكلة، ثم تقوم هذه اللجنة (بحلول) يكون مصدرها في الغالب الجهة نفسها التي لديها المشكلة، فترى هذه اللجنة تتشكل من جهات حكومية أو حتى بعض الأطراف الخاصة التي غالباً ما تكون مشغولة وتكون اللجنة في غالبها رد فعل وتنفيسا أكثر منه بحثا عن حل جذري؛ لذلك نادراً جداً ما تجد أن اللجنة تنتهي بإبعاد المتسببين في المشكلة في المقام الأول.
عملية الاقتصاد السعودي تتطلب وضوحا في آلية صنع القرار خاصة في اقتصاد تسيطر عليه الحكومة، ولكن الحكومة تطمح إلى تعاظم دور القطاع الخاص تدريجياً، لذلك نحن نعيش مرحلة انتقالية مهمة وحساسة لتوطيد قاعدة صلبة للمستقبل. ولعل أهم الأسس لهذه القاعدة هو مصداقية وقوة القرار. القرار من خلال لجان عادة ما يكون ضعيفاً ويلجأ للأسلم والأقل (الأقل عقاباً على المقصر والذي لا يلبي أي طموح للتحسن). نصنع خيراً حينما يكون القرار بعد دراسة في وقت محدد (لا يمكن أن تكتمل المعلومات، إذا استخدمنا توافر اكتمال المعلومات كعذر لنقرر، فسوف لن نصنع أي قرار)؛ الجزئية الأخرى ذات العلاقة المباشرة مع هذه العملية هي صنع القيادات القادرة، فمن لا يقرر لا يتعلم أخذ المخاطرة والشجاعة وتحمل المسؤولية وتنمية الحواس القيادية (في اللجان مهرب طيب لمن ليس عنده شيء يقدمه). وبهذا نكون خسرنا مرتين: الأولى في ضياع فرصة القرار الصحيح ففي أحيان كثيرة مجرد قرار خطوة صحيحة (أحياناً لا يكون هناك قرار)، والخسارة الأخرى في الفشل في إيجاد العناصر القيادية الفاعلة والقادرة على تطوير الاقتصاد.
هناك أمثلة عديدة في قطاعات متعددة في النفط وخاصة تبعات مبادرة الملك عبد الله حول صناعات الغاز والمنافع حولها، وهناك أمثلة حديثة في قطاع الكهرباء وسوق المال وغيرها من لجان ولجان، هناك مثل إنجليزي لا يخلو من الخبث حيث يذكر أنه إذا أردت أن لا تصنع قراراً فعليك بتشكيل لجنة.
الظاهرة الأخرى الجديرة بالملاحظة هي أن الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية خاصة الجديدة منها تعمل وكأنها جزر معزولة عن بعضها، وترى الكثير من قياداتها يحاول جاهداً الحفاظ على الاستقلالية وتراه غيورا على تدخل الجهات الأخرى مما يعوق أي عمل جماعي وتنسيقي نظراً لترابط وتداخل المهام والأعمال. الكثير من هذه الهيئات والجهات وخاصة الرقابية منها تدار "نظرياً" من قبل مجلس إدارة، ولكن المجلس عادة ما يكون أعضاؤه لديهم ما يشغلهم لأن لهم مسؤوليات تنفيذية عادة ما تكون أكثر أهمية، مما يثير الحيرة أكثر أنه بالرغم من تعدد المجالس واللجان إلا أن التنسيق والحث على سرعة القرار والمحاسبة لا تزال تحت المستوى المطلوب لأسباب كثيرة أهمها طغيان الجهاز البيروقراطي.
الحل يكمن في تغيير فكري في التخلص من الخوف من أخذ قرار والتخلص من المقصر في أسرع وقت وحتى لو لم يكمل السنوات الأربع وقبل ذلك العمل على تجهيز قيادات تكنوقراطية فنية.
البعض تقدم إلى الواجهة البيروقراطية بمجرد الحصول على شهادة دكتوراه ثم مناصب عليا دون خبرة عملية وتجارب فشل ونجاح، نعم نقول الفشل، حيث ذكر أحد كبار المختصين في الإدارة العليا أنه أثناء إجراءات الاختيار والتعيين كان أحد الأسئلة الرئيسية يدور حول ما هي الأعمال التي حاولت إنجازها وفشلت فيها، فهذا يعطيك كماً هائلاً عن تفكير وعمل وتجربة الشخص المرشح للوظيفة، وبعد التعيين يأتي دور المحاسبة طبقاً لأفضل المعايير الأعلى كل فيما يخصه. لا عيب في أن يدرب الشخص ويمر بدورات متخصصة قبل تعيينه وتعريضه إلى مقابلات من قبل مختصين في الإدارة ومجاله الفني لكي نصل إلى حقيقة قدراته وفرز القدرة على تسويق وتلميع نفسه من قدراته الذاتية، واستطاعته تأهيل وتحسين نفسه. ليس هناك ما يمنع من الاستعانة بخبراء أجانب في بعض مجالس الهيئات الجديدة حتى يصل السعوديون إلى مستوى أعلى من المعرفة والتجربة.
لقد عرفنا كيف لا نتقدم، فهل نعرف كيف نتقدم؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي