رياض الأطفال.. هل تصبح أولوية وطنية؟
في مجتمع نام كمجتمعنا يُفهم التعليم عند الكثيرين على أنه وسيلة للحصول على الشهادة التي تؤهله للحصول على وظيفة، وهي في الوقت ذاته متطلب اجتماعي. وبهذا المفهوم يفقد التعليم ركنه الأساس وهو إحداث تغيير في فكر وميول وسلوك الطالب. فالمقصد من التعليم هو أن يصل الطالب إلى درجة أكبر من النضج والفهم والقدرة على تحليل الأمور وربط المتغيرات والخروج بتصور ورؤية واضحة لما يجب عمله وكيف ومتى. إنه التعلم من أجل المعرفة الدافع الحقيقي الذي ينبع من داخل الإنسان في توسيع مداركه والإلمام بما يدور حوله من أحداث ومستجدات. لقد تحول التعليم إلى سعي للحصول على أعلى درجة بأي طريقة كانت، المهم في الأمر النجاح وتحقيق معدل يؤهل لدخول الجامعة أو الحصول على وظيفة، وإذا كان كذلك فكأنما نسهم في نزع الدافعية الداخلية للتعلم ونستبدلها بدافعية ظاهرية تطفئ جذوة الدافعية الحقيقية، وهو العلم من أجل المعرفة وليس الدرجات التي هي وسيلة قياس التحصيل وليست هدفا بحد ذاتها. وهكذا تحول الجميع في نظام التعليم إلى توجيه طاقاتهم وجهدهم وقراراتهم في هذا الاتجاه "التعليم من أجل الدرجات فقط!" ولذا لم يكن مستنكرا أن تفتقد العملية التعليمية الكثير من أدواتها الأساسية ابتداء من المباني النموذجية إلى المعايير المهنية التربوية في اختيار المدرسين وسياسة تطويرهم وتنمية مهاراتهم إلى المناهج التي ترتبط بواقع الحياة وتتصف بالبساطة وحسن العرض إلى إدارة مدرسية لديها استقلال إداري ومالي للحد الذي يتسع للإبداع والأفكار الشخصية في تحسين جودة التعليم والبحث عن طرق جديدة وتهيئة الظروف المناسبة للطلاب وتشجيعهم على التعبير وبناء شخصية قوية قادرة على التواصل مع الآخرين. عندما يدرس الطلاب المواد وهم لا يعلمون لماذا يتعلمون فثمة مشكلة كبيرة وخطأ فادح وثغرة تعرقل تحقيق المقصود من التعليم. هذا النوع من التعليم الذي يعتمد على حشو ذهن الطالب بالمعلومات غصبا مقرونا بالترهيب والتهديد والوعيد دون أن يدرك الطالب المعنى والهدف من التعليم يصبح التعلم حملا ثقيلا لأنه غريب عن الذات يفرض عليه فرضا فتكون ردة الفعل السلبية التي يتم تعزيزها يوما بعد يوم في جميع مراحل التعليم حتى يصل الطالب إلى قناعة بأن العلم أمر سيئ! وشر لا بد منه! لقد نجحنا في تحويل الطلاب إلى جمادات ساكنة وجثث هامدة مسلوبة الإرادة والحرية. لقد خرجنا طلابا أشبه ما يكونون بالببغاوات تردد الأشياء التي تسمعها وتجيد حفظها ولكن للأسف لا تفقه معانيها. والإنسان من دون حرية الاختيار والقدرة على التفكير والموازنة بين الأمور يفتقد جزءا من آدميته. إن الإنسان هو مجموعة الأفكار والمعتقدات التي يحملها في داخله ويرى الحياة من خلالها ويتعامل مع الآخرين على أساسها، ولذا كان من الضروري تثقيف الطالب بأفكار ومفاهيم إيجابية عن الحياة حتى يكون فردا صالحا فاعلا في المجتمع. والمسألة لا تتعلق بالمواد الدينية أو الفلسفية وهي ضرورية ومهمة ولكن بالنهج التعليمي ككل الذي يرسل رسائل مبطنة من خلال المناهج وطرق التعليم ومستوى المدرسين والامتحانات والتعامل غير الحضاري في بعض الحالات مع الطلاب. إن تعويد الطالب على السلبية وتثبيطه عن التعلم والبحث عن الجديد هو ما أوجد ثقافة أخذ الكثير مقابل تقديم القليل. لم يعد مستنكرا أن يصرح الخريجون عن حصولهم على وظيفة لا تتطلب الجهد أو أن يتفاخر الطلاب بأنهم حصلوا على أعلى الدرجات دون اجتهاد أو ألا يستنكف التاجر من أنه حقق أرباحا بطرق غير مشروعة. هذه الظواهر السلبية في المجتمع مردها في الأساس التربية والتثقيف الخاطئ الذي يغذي الأفراد منذ نعومة أظفارهم على العادات والسلوكيات السيئة. إن التنشئة الخاطئة تفرز أفرادا لا يحترمون القانون ولا يفكرون بحكمة ورشد وإنما يسيطر عليهم الشعور بالظلم فينفجرون غضبا عند أتفه الأمور كانعكاس لتجربتهم القاسية في المدرسة والكبت الذي مورس عليهم، إضافة إلى افتقارهم إلى ثقافة احترام القانون والتفكير السوي. قد يجد البعض في حديثي هذا مبالغة إلا أن الشواهد الكثيرة التي نراها قي المجتمع تؤكد ما ذهبت إليه من تدني مستوى التعليم وتأثيره على سلوك الأفراد. وما على القارئ الكريم إلا أن يقود مركبته في أحد الشوارع ليرى بأم عينه تصرفات غير حضارية أو أن يقف في الصف ليجد أنه آخر الصف بعدما كان في أوله! إنه التعليم يا سادة من أجل الشهادة والدرجات الذي أوصلنا إلى هذه الحال من السلوكيات الغريبة الخارجة عن منطق الأمور.
في ظل هذا المفهوم للتعليم كان من الصعب الحديث عن رياض الأطفال وكيف يكون ذلك، ومن يلتفت لقولي في وقت أصبح فيه التعليم يقتل التعلم! إلا أن التعليم في رياض الأطفال قصة نجاح متميزة وأسلوب يختلف تماما عما نعهده في التعليم العام. فالتركيز هنا على الطفل وكيفية تنمية مهاراته الذهنية وقدرته على التحليل والمقارنة وفهم المتغيرات. إنه تعليم يعتمد على لماذا.. وليس ماذا.. فقط. ولأن شخصية الفرد تتكون في السنوات المبكرة من عمره فإن الدور الذي تلعبه رياض الأطفال أهم بكثير مما يتصوره البعض. الحديث هنا عن بناء الشخصية السوية القادرة على التفكير والعطاء، شخصية المواطن الصالح الذي يعيش بوعي تام يربط بين الفعل والنتيجة مدرك تمام الإدراك لسلوكه يعرف حق المعرفة ماذا يجب عليه فعله ومتى وأين وما التوقعات. هذا ما تحاول رياض الأطفال أن تحققه، بناء الوعي والتفكير الإيجابي وتقدير الذات واحترام الآخرين. إلا أن مثل هذا التعليم على أهميته القصوى لا يلقى الاهتمام الكافي ونجده في ذيل قائمة أولويات سياسات التعليم. وحقيقة الأمر إذا ما أردنا أن نحدث تغيرا اجتماعيا وخلق ثقافة جديدة أساسها التفكير الإبداعي والسلوك الواعي والتصرف الحضاري ولكي نقضي على السلبيات في المجتمع التي اجتاحته مثل الإرهاب والمخدرات والسطو والتصرفات الصبيانية في الأسواق والمحال العامة كان لا بد لنا من الاهتمام برياض الأطفال. يقول المثل العربي "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" أعلم أن الكثيرين يعلمون هذا المثل ويرددونه كثيرا لكن لا يلتفتون لمعناه ولا يعيرونه اهتماما ولا يطبقونه. إن الأفراد الصالحين لا بد لهم من بداية، والبداية الصحيحة هي في رياض الأطفال حيث ينشأون على التفكير الإبداعي وتزرع في داخلهم قيم الحب والتقدير للذات وللآخرين وقيم المشاركة وعدم التعدي على الآخرين بأسلوب تربوي يعتمد على جعل الطفل يستكشف هذه المعاني من عند نفسه فيتملكها وتصبح جزءا لا يتجزأ من ذاته مقتنعا بها كامل الاقتناع لتتحول بعد ذلك إلى سلوك قويم ليس لفرد واحد ولكن لمجموعة أفراد، وكلما كبر العدد ساهم ذلك في تحويل المجتمع برمته إلى ثقافة جديدة ترتكز على الإبداع والإنتاج واحترام الوقت فيقوى المجتمع ويصبح صفا كأنه بنيان مرصوص.
لقد سرني مبادرة تتبناها الإدارة العامة لرياض الأطفال في وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع جمعية النهضة النسائية في مدينة الرياض وبرعاية ودعم من برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية وبمشاركة قسم رياض الأطفال في جامعة الملك سعود بعمل بحث ميداني يقيم هذه التجربة الأولى من نوعها. تقوم فكرة المشروع على تدريب الأمهات في تربية وتعليم أطفالهن بكفاءة وفاعلية في محاولة لسد العجز في توفير خدمة تعليم رياض الأطفال لكثير من الأسر، فنسبة الأطفال المسجلين في رياض الأطفال في السعودية لا تتعدى 8 في المائة، ومقارنة بسيطة بدول أخرى نجد أن هذه النسبة متدنية جدا. ففي الكويت تصل إلى 100 في المائة، وفي لبنان 75 في المائة، بينما في البحرين 37 في المائة. وأجدها مناسبة لأن أشيد بالجهود المبذولة في الإدارة العامة لرياض الأطفال وجمعية النهضة النسائية واستشعارهما حجم المسؤولية والمهنية العالية والعمل بروح الفريق والمبادرة في البحث عن حلول تطويرية والسعي نحو رسم ملامح مستقبل الطفولة المبكرة. إن هذه المبادرات تجعل الواحد منا ينتشي بروح الوطنية ويؤكد شعور داخلي قوي بأن أبناء وبنات هذا البلد فيهم الخير الكثير.