رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رعب الـ 5 آلاف نقطة .. نقد التحليل الفني

[email protected]

الموت هو اليقين، قال تعالى (حتى أتاه اليقين)، ولذلك فإنني أعتقد أن الشك يعني الحياة، ولأن ديكارت من رواد مذهب الشك العلمي ويرى التفكير على أنه الوجود لذلك قال (أنا أفكر إذاً أنا موجود)، فلا وجود إنساني إذا إلا بالتفكير، وبالطبع لا تفكير بلا حياة، وعندي لا حياة بلا شك. والأسواق المالية تضج بهذا النوع من الحياة، حياة الشك، وعندما يأتيها اليقين فإنها تموت.
والشك لا يعني الوهم لأن الحياة ليست وهما، ولن تحيا الأسواق المالية بصناعة الوهم، والسوق المالية السعودية ليست استثناء عندي في هذا، ولكن وللأسف هناك من يصنع الوهم في طريقها باسم العلم والتحليل الفني وهما من ذلك براء، لذلك يجب علينا أن نعرف الفرق بين الشك العلمي المنظم الذي ينتج الحياة والمعرفة وبين الوهم والكذب الذي ينتج الرعب والإرهاب. قد يصدق قول قائل في اتجاهات السوق وله أن يبرر مصدر معلوماته كيفما يريد إلا أن يلصقها بالعلم والتحليل العلمي الرصين، فإن أراد ذلك فعليه أن يأتي من بابه الشريف.
سوف يصل مؤشر السوق إلى خمسة آلاف نقطة، هكذا يصرحون لمجرد أننا نواجه ضغوطا بالبيع وذلك نظرا لأحداث اقتصادية تمر بالسوق أو بشركات قيادية معينة أو حالات وظروف سياسية طارئة، وأنا لا أجزم أن السوق لن تصل إلى هذه المناطق – لأن اليقين هو الموت - لكن من يقول بذلك عليه أن يقدم توضيحا علميا مستندا إلى منهج معتبر، أما رمي الأرقام تخرصا وجزافا فأمر غير مقبول وفيه إثارة الرعب بين صغار المستثمرين، وقد تسببت مثل هذه التصريحات سابقا في تورط الناس في السوق بصورة عشوائية وخروجهم أيضا بالصورة نفسها بينما كان الكبار يصطادون من آخر القطيع.
ولا أدري هل أنا بهذا أمتدح التحليل الفني أم أذمه؟ لكنني لا أقصد هذا ولا ذاك، بل التحليل الفني فرع معرفي من فروع التحليل الإحصائي لسلوك المستثمرين في السوق ويجب أن يفهم هكذا وألا يثقل بصراخه على بقية الأصوات التحليلية الهادئة. فالتحليل الفني يقوم على الاحتمالات التي يوفرها له علم الإحصاء، ولك أن تضع ما أردت من الخطوط بجميع الألوان حول كلمتي الإحصاء والاحتمال. وتلك البرامج الإحصائية التي يستخدمها المحللون تعتمد على الأرقام التي تغذى بها فأي رقم أخذت ستعطي في مقابله نتيجة وعليك التفسير كما تريد. وهكذا فإن اعتبار نتائج التحليل التي تعتمد على علم الإحصاء نتائج يقينية، لا تقبل الشك ولا الجدل ناهيك عن الرفض ومن ثم محاولة فرض هذه النتائج على سلوكيات الناس من خلال الطّرْق المستمر على آذانهم وأفكارهم باستخدام شتى القنوات الإعلامية والشائعات، يعد أمرا غير مقبول البتة وأعتبره إرعابا حقيقيا يجب الوقوف ضده، ويكفيني هنا أن أنصح بقراءة مقال للدكتور سليمان السكران عنوانه محللون يقودون السوق إلى الهاوية.
أضف إلى ما سبق أنه من المسلم به في هذا الفرع من التحليل اعتماده على تتبع نماذج سلسلة الأداء التاريخي للمؤشر وللسهم وتحديد نقاطا ظهرت في الزمن الماضي كنقاط يبدأ عندها البيع أو الشراء مع تفسيرات متداخلة لها، لكن الجميع ينسى أنها نقاط محتملة وليست قاطعة اليقين ولو كانت كذلك لما فاز أحد بالأرباح وذاق آخر طعم الخسارة، أي أنها لو كانت يقينية لماتت السوق، لكنها تمثل فرصا من المتوقع أن تستغلها السوق وقد تتخلى عنها، فالجزم بها تخرص والتركيز في عرض هذه النقاط مع إغفال التحليل الأساسي فيه مجازفة علمية كبيرة.
ولهذا فإني أرى أن ما يحدث الآن في جميع القنوات الإعلامية تقريبا والمنتديات المتخصصة من التركيز على موضوع نقاط الارتداد ونقاط المقاومة لا مبرر له. وإذا عرفنا مدى متابعة صغار المستثمرين لهذه المصادر الإعلامية لنقص الخبرة والتجربة ومع ترصد الكبار لهم، فإن هذه النقاط قد تتحول إلى كابوس مزعج ورعب حقيقي، وما أن تتعرض السوق إلى عمليات جني للأرباح متوسطة أو بسيطة حتى يتحول الأمر إلى انهيار، ومهما حاول المحللون وأصحاب الرأي العلمي المحترم مقاومة ذلك الاتجاه بتحليل مستويات الأسعار ومكررات الربحية والتوزيعات النقدية والنمو الاقتصادي وغيرها من المعلومات غير ملموسة الأثر على السوق المالية بشكل يستطيع أن يقرأه المستثمر البسيط ويدركه، فإن محاولاتهم تذهب أدراج المنتديات، وإعلانات القنوات.
نعم، تعد معرفة تلك النقطة التي سيقف عندها المؤشر أو سعر السهم ليعكس اتجاهه حلم الجميع في السوق المالية كان ولم يزل وسيظل. ولكن نظرا لأن أي مؤشر سيقف عند نقاط معينه في أي اتجاه والأسعار ستتغير مهما طال الانتظار، فإن كل ما علينا فعله هو محاولة فهم متى وكيف ولماذا؟ منا من يصيب الهدف ومنا من يفشل، ولذلك نتخذ القرارات لنكسب أو نخسر. لكن التحليل مهمة ذات طابع علمي يجب حمايتها وضمان مصداقيتها، وتحديد سعر ارتداد أو مقاومة أي سهم بمجرد معرفة أحد "الهوامير" في السوق لا يعد بها الشخص محللا وذا علم يعتد به. سيذهب الجميع وتتقلب الأمور وتبقى المهنة والسوق المالية وجها لوجه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي