"إعمار" و"دبي القابضة" .. والتمويل بالمقايضة
لعله من الغريب عند طرح موضوع يتعلق بالتمويل أن نجد أنه لا يتناول أي ذكر للنقد في العقد، وذلك أنه عادة يتم التمويل بمبلغ من المال نتيجة لحاجة طرف من أطراف العقد إلى سيولة نقدية لتغطية جزء من تكاليف مشاريعه، ولكن بالنظر إلى الدور الذي يلعبه النقد في المعاملات التجارية نجد أنه يعتبر وسيطا لتقييم أسعار السلع، فالمال الذي يحصل عليه طالب التمويل يستخدمه في تغطية تكاليف المشاريع التي يقوم بتنفيذها.
من خلال قراءة تاريخية للمبادلات التجارية في حياة البشر، نجد أن الإنسان قبل استخدامه الذهب والفضة كقيم للمبادلات التجارية، اعتمد على المقايضة، والمقايضة هي عبارة عن المبادلة المباشرة للسلع والخدمات، فمثلا المزارع يبيع القمح للخباز للحصول بقيمته على خبز، والذي يملك الماشية يبيعها إلى المزارع ليحصل على الشعير مثلا وهكذا.
ولكن رغم أن الناس اعتادت في فترة ما من حياتها على مثل هذا النوع من المبادلات، إلا أنها وجدت أن استخدام النقود أسهل وأيسر غالبا في تقييم السلع.
أوردت جريدة "الاقتصادية" بتاريخ الأول من ربيع الأول لعام 1428هـ الخبر التالي: "تملكت شركة دبي القابضة 2.364 مليار سهم من شركة إعمار العقارية إثر اتفاق وقع بينهما وأعلن عنه أمس في دبي، يقضي بإصدار "إعمار" أسهما جديدة لصالح الأولى مقابل حصولها على أراض منها".
بالطبع بعيدا عما أوردته الجريدة فيما يتعلق بتحليل الهدف من هذه الصفقة، نجد أن "إعمار" و"دبي القابضة" تطبقان نوعا من الشراكة الذي يمكن أن نطلق عليه التمويل بالمقايضة، حيث إن "دبي القابضة" بدلا من أن تمول هذه المشاريع وتدخل شريكا مع "إعمار" عن طريق دفع مبلغ من المال، اختارت أن تختصر العملية عبر المقايضة بجزء من أملاكها مقابل الدخول كشريك مساهم في شركة إعمار الإماراتية.
طبعا مثل هذا النوع من الشراكة أو ما يمكن أن نسميه التمويل بالمقايضة يمكن أن يدخل تحت مفهوم عقد الشركة في الفقه الإسلامي، أو بشكل أدق عقد المضاربة، وذلك أن شركة دبي القابضة تأخذ دور الممول عبر إعطائها جزءا من أملاكها العقارية لشركة إعمار في مقابل تملك "دبي القابضة" جزءا من شركة إعمار، وهذه الممتلكات تمثل في الأصل قيمة مالية في مقابل حصة من شركة إعمار الإماراتية، وتتم هذه الشراكة عبر إصدار الأخيرة أسهما إضافية وزيادة رأس مالها بمقدار 2.364 درهم ليصبح رأسمالها 8.439 مليار درهم.
طبعا مثل هذا النوع من المعاملات إذا ما حقق نجاحا في الأسواق الخليجية، فإنه يمكن تحقيق شراكات بمرونة أكبر، خصوصا مع نقص السيولة في السوق أو صعوبة الحصول على التمويل النقدي المطلوب من المؤسسة المالية، فيمكن لشركة مثلا تملك أراضي أو تصنع الحديد أو الأسمنت الدخول في شراكات مع شركات المقاولات مثلا، سواء كانت الشراكات في مشاريع محددة فقط، أو عبر شراكة في أرباح الشركة بإصدار صكوك شراكة غير متداولة في سوق الأسهم، أو زيادة رأس مال الشركة الحاصلة على التمويل بإصدار أسهم لصالح شركة الأسمنت أو الحديد بما يتناسب مع ما تقدمه من سلع.
طبعا مثل هذا الإجراء قد يواجه مشكلة ألا وهي الطريقة التي يمكن أن يقيم بها سهم الشركة ويرضى به كلا الطرفين إذا أخذنا في الاعتبار ما يتطلبه قبول عدد كبير من المساهمين. من أشهر القيم التي تذكر في معرض الحديث عن الأسهم ثلاث قيم: القيمة الاسمية، والدفترية، والسوقية.
أما فيما يتعلق بالقيمة الاسمية فهي تمثل المبلغ الذي اكتتب به المؤسسون عند إنشاء الشركة وقد يصعب الأخذ به في ظل وجود ربح أو خسارة للشركة، والقيمة الدفترية قد لا تكون دقيقة لأنه قد تختلف في كثير من الأحيان عن القيمة السوقية فيكون المساهم قد منح أسهما بأقل من القيمة التي يمكن أن يعرض بها السهم في السوق. أما القيمة السوقية فهي في كثير من الأحيان غير منضبطة ولا تتناسب دائما مع القيمة الحقيقية للسهم نتيجة لدخول الأسهم في موجة مضاربات مؤقتة، ولذلك يمكن القول بإن أفضل الحلول هو الحصول على متوسط تقييم عدد من الشركات المتخصصة في هذا المجال، وهذا من شأنه أن يكون أكثر عدالة، ويحقق رضى وقناعة المساهمين.
طبعا لم يتبين من خلال الخبر تفاصيل أكثر عن الأراضي التي ستقايض بها "دبي القابضة" في هذه الصفقة، في حين أن ذكر التفاصيل مطلوب في العقد خصوصا المؤثرة منها فيه، ولكن من الممكن أن تكون التفاصيل أكثر وضوحا قبل إتمام الصفقة، خصوصا أنها تتطلب حضور ما يمثل ملكية 75 في المائة في الجمعية العمومية.
بالطبع أن مثل هذا النوع من العقود يساهم في تحقيق المرونة بشكل أكبر في إنجاز طموح ومشاريع الشركات سواء كانت المساهمة أو غيرها، فالسيولة التي تملكها شركة إعمار الإماراتية سوف تباشر بها إقامة مشاريع تنموية لصالح نمو الشركة بدلا من أن تشتري بها هذه الأراضي، أما فيما يتعلق بالتمويل النقدي مثل الحصول على تمويل عن طريق التورق المصرفي مثلا والذي يكلفها مبلغا إضافيا بحسب مدة السداد، قد يزيد من أعباء وديون الشركة، وبالطبع مثل هذا التنوع في التمويل ينبغي أن يكون محل اهتمام الشركات الوطنية، حيث قد يساهم في تجاوز كثير من العوائق المالية لتلك الشركات.
طبعا يبقى في النهاية مراقبة ما تتمخض عنه هذه الشراكة و مدى نجاحها، لاستنساخ مثل هذا النموذج في شركات أخرى في الأسواق الخليجية.