رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"إعمار العقارية" بين التوزيعات النقدية وإعادة شراء الأسهم

[email protected]

الأسواق المالية لا تعترف بالماضي، على الأقل ليس بقدر اعترافها بالمستقبل وما يحمله من ثروات وقرارات لتخصيصها، لذلك نتفاوض دائما على هذا المستقبل. نعم، نحمل فوق رؤوسنا الأحداث الماضية ونتمنى تكرارها لنتجاوز الأخطاء أو نستغل الفرص، لكنها لا تتكرر بنفس الصور لذلك نرتكب أخطاء جديدة باسم الخبرة، ونظل دوما نكرر الأسئلة نفسها، كل منا على طريقته بينما تبقى قدرتنا على الإجابة محدودة جدا، هل يكفي كل تجاربنا التاريخية السابقة لندعي المعرفة بأحداث المستقبل ونبرر بها مفاوضاتنا وقراراتنا المختلفة؟ وهل لنا أن نفرض تجربتنا المحدودة على الآخرين أو نصبغ بها حياة الأجيال المقبلة باسم العلم والمعرفة لتواجه بها المستقبل الذي عليها أن تحياه ومن خلاله تؤكد أو تعيد صياغة المعرفة البشرية؟
هذه المقدمة ضرورية لفهم العديد من الأحداث التي تمر بنا ومنها تلك التي مرت على شركة إعمار العقارية المدرجة في سوق دبي، هذه الشركة المثيرة في كل شيء، في إدارتها، في جمعيتها العامة وفي جرأتها الاستثمارية، باختصار هي شركة تجبرك على متابعة أخبارها، وما حدث في جمعيتها العامة من مفاوضات وصلت حد استخدام القوة الديمقراطية التي يوفرها غطاء التصويت وما أسفر عن ذلك من ردة فعل تأثرت بها سوق دبي بالكامل، جميعها أحداث تستفز القلم وتثير التحليل.
انعقدت جمعية "إعمار العقارية" وفق مصالح متضاربة تماما، فحملة الأسهم العاديون كانوا يرغبون في توزيعات نقدية كبيرة بينما جاءت الإدارة بالأقل، والكل ينظر إلى المستقبل ولديه تفسير للثروة من منطلق أجندته الخاصة به. والمدهش في جمعية "إعمار" هو هذا المستوى من الحوار، فمجلس الإدارة يواجه نزعات مختلفة وعليه أن يكون مستعدا لمفاوضات شاقة تكررت كثيرا في هذه الشركة بل تعد فريدة في الأسواق العربية، حيث قلما تنعقد الجمعية العامة في موعدها نظرا لعدم اكتمال النصاب وعلى المساهمين تلقي القرارات وكأنها أوامر لا يمكن مساءلتها أو حتى المفاوضة عليها، وقد كتبت في ذلك مقالا بعنوان دكتاتورية الشركات، لهذا أرى في جمعية "إعمار" حالة خاصة تقدم دروسا لابد من الاستفادة منها. نعم نجح مجلس الإدارة في تمرير قراراته باستخدام لعبة الديمقراطية وتأثرت سوق دبي كثيرا لكنها كسبت التجربة على كل حال.
إن الخلاف بين مجلس إدارة شركة إعمار والجمعية العامة يقدم نموذجا لفهم التغيرات الجذرية التي أصبح عليها وضع الشركات في القرن الـ 21، تغيرات أفرزت العديد من النماذج الرقابية الجديدة والأساليب المحاسبية المتطورة جدا ومنها نماذج حوكمة الشركات والنشر الإلكتروني. فلم تعد الشركات الحديثة (أو ما بعد الحديثة إذا جاز التعبير) تهتم بصناعة ثروة ملاكها بقدر اهتمامها بصناعة ثروتها، وهذه نتيجة طبيعية لتطور الأسواق المالية. فلم يعد هناك ملاك حقيقيون يأملون في أن تقوم الشركة بتنمية مدخراتهم، ولم تعد تلك مسؤولية مجلس الإدارة بل إن على حملة الأسهم تنمية تلك المدخرات بأنفسهم من خلال قراراتهم الاستثمارية في سوق الأوراق المالية أو من خلال إيداعها في الصناديق الاستثمارية التي تقدمها البنوك المختلفة. في المقابل فإن دعم الشركة لحملة الأسهم، ولا أقول لملاكها، يأتي من خلال دعمها لثروتها وتنمية قيمتها السوقية فقط، وهذا سينعكس على ثرواتهم بارتفاع قيمة ما يتملكونه من أسهم. وهكذا فإن على مجلس الإدارة تركيز مهامه لتعزيز حظوظ الشركة التنافسية وضمان نمو مطرد ومتوازن لها، ولم يعد دورهم قاصرا على مجرد ضمان تدفقات نقدية مستمرة للمساهمين أو إدارة تلك التدفقات. هذا الاتجاه المتصاعد في تفسير علاقة الشركة بملاكها يظهر بوضوح في اتجاه العديد من الشركات العالمية إلى توزيعات الأسهم بدلا من النقد.
فالتوزيع النقدي يعني تخلي الشركة عن جزء من ثروتها لصالح حملة الأسهم، ولكنه يعني أيضا أن عليها أن تواجه صعوبات مختلفة في إعادة إيجاد النقد اللازم لتنفيذ برامجها الاستراتيجية والتي تسعى من خلالها إلى تنمية قيمتها السوقية. فالشركة التي تريد أن تعزز من مواقعها التنافسية ولديها خطة نمو استراتيجية ورؤية واضحة لا تفرط في ثروتها ببساطه ثم تعود لتقترضها من السوق بتكلفة عالية، لذلك فإنها قلما توزع أرباحها على شكل نقدي بل بتوزيع الأسهم لتعكس واقع ثروتها الجديدة في السوق وتحافظ على سعر تنافسي للسهم، وشركة مايكروسوفت العالمية تقدم نموذجا واضحا لمثل هذا الاتجاه.
وتقدم بعض الشركات نموذجا آخر لدعم حملة الأسهم دون التفريط في الأصول وذلك من خلال إعادة شراء الشركة جزءا من أسهمها المتداولة، وهو الخيار الذي أصبح متاحا في سوق دبي للأوراق المالية. وشراء الشركة أسهمها ليس فيه توزيع لثروتها ولكنه إعادة لهيكلتها، كما أنه يسهم في دعم السعر السوقي للسهم، وهو خيار جيد لكنه يعتمد على مدى احتياج الشركة للنقد في المدى القصير والمتوسط، وقدرتها على تحمل مخاطر التحول من النقد إلى الاستثمار و من ثم العودة مجددا بأقل الخسائر. فالسوق المالية وكما هو معروف لا تتأثر بالمعلومات الخاصة بالشركة فقط بل يؤثر فيها الوضع الاقتصادي والسياسي العام للدولة والدول المجاورة بل تتأثر حتى بالأحداث التي تجري في أسواق مالية تبعد عنها جغرافيا آلاف الأميال.
وهكذا فإن مجلس إدارة شركة إعمار واجه مفاوضات ساخنة وخيارات حرجة بين المحافظة على ثروة الشركة أو تنمية ثروة حملة الأسهم واختار الحل الوسط، وهو ضمان توزيع ثابت للنقد لا يؤثر في نمو الشركة وتنفيذ برامجها الاستراتيجية ومشاريعها التوسعية المختلفة، لكن المفاوضات كانت حادة وعنيفة نظرا للتجربة السابقة والمريرة في سوق الأسهم طوال عام كامل من الانهيار. لذلك أعود في نهاية هذا المقال من حيث بدأت، إن ادعاءنا المعرفة من خلال تجربتنا السابقة فقط قد يوقعنا في أخطاء جديدة وهو ما حدث في سوق دبي عندما حاول المساهمون الغاضبون التأثير في قرارات شركة إعمار لدفعها للتخلي عن ثروتها, الأمر الذي قاد إلى انهيار لم يكن في الحسبان وأضر بثروة المساهم الصغير فقط و طال حتى الأسواق المالية المجاورة.

على هامش المقال
بمناسبة صدور قرار خادم الحرمين الشريفين بإعادة تشكيل الحكومة وصدور التعيينات الجديدة وتجديد الثقة لعدد من كبار موظفي الدولة، أبعث بطاقة تهنئة خاصة مع صورة من صدر هذا المقال إلى كبار موظفي الدولة على دعم وثقة خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي