القيادات العربية بين الشكل والمضمون
يأتي الزعماء العرب إلى اجتماعات القمة بتفويض عاطفي ومعنوي من شعوبهم ولكن دون تفويض مادي وعملي للوصول إلى نتائج فعلية، ولذلك تأتي النتائج على خلفية مثقلة بفجوة بين النوايا من ناحية وواقع البيئة الاجتماعية السياسية من ناحية أخرى. لم يبق في العالم إلا أجزاء قليلة لم تستطع اللحاق بركب الحضارة العالمية، والعالم العربي أحد أبرز هذه الأجزاء لأسباب كثيرة لا يمكن لهذا العمود أن يذكرها ناهيك عن تفكيكها واستقراء حلول لها. أحد مظاهر تلك المجتمعات العربية المأزومة هو حالة التجهم والتشنج في هذه القمم التي تبدأ بغياب البعض, إلى سياسة المحاور, إلى التآمر على بعضهم البعض أحيانا، وما هذه الحالة إلا تعبير عن تقصير في الأداء لقيادة دولهم إلى ما هو أفضل.
يأتي الزعيم العربي دون تفويض عملي بالتنازل عن أي شيء عملي فهو مثقل بتوازنات ومصالح ضيقة في بلاده فكيف يستطيع أن يلتزم بشيء نحو جماعة أكبر ولجهد جماعي أصعب؟ حيث إن أول متطلبات العمل الجماعي هو التنازلات من نواح كثيرة، فالزعيم العربي يأتي من مجتمعات يجب أن يراعي فيها مؤسسات أو تكتلات لم تتفق على برامج عملية جدية لتطوير البلد الواحد. وهناك مؤسسات دينيه وقبلية وفئوية وبيروقراطية وطبقية تطالب بحقها وبغير حقها من القرص قبل أن يكبر. هذا القرص أو حتى يصل إلى النضج، فأغلب الزعماء العرب يأتي إلى القمة بهذا التفويض العاطفي أو لمجرد الحضور ليؤكد أنه زعيم دولة لها علم وحضور وسفارات وعملة!!
لا يمكن التعاون بين غير القادرين على تطوير بلادهم أولا فمن يهرب من مسؤولية التنمية الأهم يلجأ للأقل أهمية والشعارات والبيانات لتعويض القليل. إنها ورطة عربية حقا أن يلتزموا بهذا الاجتماع السنوي لكي يكسبوا مزيدا من الخصومات وتجريح بعضهم بعضا. لعل الأفضل ألا تكون هناك اجتماعات كبيرة ذات صوت إعلامي كبير لأن ذلك يزيد من وطأة السقوط من الآمال العالية. ولعل إشكالية العامة من العرب هو هذه الآمال غير الواقعية، فالبعض يريد أن يستفيد من الثروة النفطية حتى يكاد يحسد نفسه إلى حد الرغبة في تدميرها ومن الحب بين الإخوة ما قتل. والبعض الآخر يجد نجدته في التعاون مع دول أخرى على حساب حد أدنى من التعاون والتضامن، والبعض الآخر معك اليوم وغدا مع خصمك ويتوقع منك المثل.
هناك تفاوت بسيط في الأداء عدا بعض الجانحين مثل ليبيا، وبعض الظروف الصعبة مثل الصومال، وبلد محتل مثل العراق وبلد يئن مثل السودان، ولكن هناك تشابها كبيرا في الفشل في اعتناق التنمية كسياسة وحيدة.
لعل أفضل ما قد ينجزه العرب في اجتماعات القمة هو الكف عن خصام بعضهم البعض وطعنهم في الظهر حتى تتمكن كل دولة من التفرغ للتنمية ثم الحديث عن تنسيق ثم الحديث عن تعاون فعلي ثم الحديث عن خطط اتحادات، لذلك فإن كل الجهد يجب أن يذهب للتنمية واللحاق بالأمم الأخرى. أثبتت الدراسات الإنمائية أنه ليس هناك من علاقة بين الحجم سكانيا أو جغرافيا أو ماليا وبين التنمية الحقيقية المستدامة، فهذه يصنعها التنظيم الاجتماعي والقيادات المخلصة والنخب الواعية التي ترغب في الكسب الحلال.
يتمتع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بدرجة فريدة من الاحترام والتقدير ليس في المملكة فقط بل في المنطقة وسوف ينجح في الحصول على أكبر قدر ممكن من الاتفاقات الظاهرة والضمنية بين الدول والقيادات، ولكن المشكلة الكبيرة تكمن في أن هناك تخلخلات هيكلية في المجتمعات وأزمات ثقة وحالة عدم إنتاجية يحل محلها ألاعيب سياسية وحلول مؤقتة وبيانات تخديرية لا تسمن ولا تغني من جوع. هذا من وحي الواقع الفعلي تاريخيا وحاضرا، ولكن سياسيا هناك شأن آخر، فالبلاد العربية لا تزال مرتبطة بالغرب وللغرب جزء في منطقتنا – إسرائيل، ولذلك سوف لن تختلف هذه القمة عن سابقاتها بالتنويه إلى مركزية هذه القضية وعن ماهية وصلابة الموقف العربي الذي تمثل في مبادرة الملك عبد الله التي تحولت إلى موقف عربي موحد. من الجانب العربي ليس هناك من لعبة أخرى، لدى إسرائيل رغبة في التهرب من خلال انتقاد المبادرة ولكن الغرب مشغول بأزمة سعي إيران لامتلاك تقنية الوقود والسلاح الذري، والتي يرى الغرب ببعض واقعية سياسية أنها أهم من أزمة الفلسطينيين وإسرائيل.
ما يحتاج إليه العرب اليوم هو التوقف عن الخصومات مع بعضهم البعض لأي سبب وعلى جميع الأصعدة ثم التوجه للعمل والعلم، وغير ذلك هو نفاق اجتماعي وسياسي. لقد نجحت المملكة بامتياز في هذا المضمار فقد أصلحت بين اللبنانيين عام 1989م وهي تحاول اليوم, ومدت يد الصداقة لإيران لكي تتفادى المنطقة ويلات الحروب, واستطاع الفلسطينيون الاتفاق برعاية ووساطة خادم الحرمين الشريفين، مما أدى لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
لعل الأمة العربية تقدر قلبا وقالبا دور المملكة ومليكها للتهدئة ومن ثم صفاء الذهن للتنمية ولكي تكون القمم العربية أكثر فائدة.