رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جودة المخرجات الهم المشترك

[email protected]

أصبح الاهتمام بالجودة توجهاً عالمياً, ذلك أن جودة المخرجات وفي أي مجال من المجالات يشكل علامة بارزة في نضج المجتمع ورقيه ومحافظته على إمكاناته وموارده. وجودة المخرجات لا يمكن حصرها في مجال بعينه, بل نجد أن المخرجات في المجال: الصناعي, الزراعي, التقني, التربوي, الثقافي, وغيرها, كلها أمور لا بد من العناية والاهتمام بها في أي مجتمع يسعى إلى الرفع من مستوى إنتاجيته وجودتها في هذه المجالات وغيرها. وبغرض الرفع من مستوى الإنتاجية في جانبها النوعي استحدثت الكثير من الدول إدارات ووحدات هدفها الأساسي وشغلها الشاغل هو التأكد من سلامة المخرجات وجودتها. فالسيارات, الطائرات, القطارات, الملابس, الأجهزة الكهربائية والميكانيكية, الأغذية, الخدمات, والمنازل وغيرها الكثير كلها لا بد من أن تتوافر لها شروط وخصائص كي تكون مناسبة للاستخدام الآدمي وحتى لا يترتب على استخدامها أضرار مهما كانت هذه الأضرار. وقد أثيرت في الصحافة المحلية خلال الفترة الماضية ولا تزال قضية الحلاوة الطحينية وذلك حول مكوناتها والأضرار المترتبة عليها قائمة وما يقال عن الأغذية والخلل في إنتاجها وعدم مناسبتها أو عدم مناسبة بعض عناصرها لصحة الإنسان يقال حول الأجهزة وما قد يصدر عنها من إشعاعات ويقال عن المخرجات التربوية ومناسبتها لأداء الأعمال التي تناسب تخصصاتهم التي درسوها في الجامعة أو في المعاهد المتخصصة. وفي ظل العولمة وانفتاح المجتمعات على بعضها وكثرة المنتجات في الأسواق تأتي أهمية السعي إلى
تحسين جودة المخرجات في جميع المجالات: المادي, البشري, الإداري, والخدمي. وبرز على السطح في مجتمعنا السعودي الكثير من الظواهر التي استدعت طرح موضوع جودة المخرجات على بساط المناقشة والبحث وأصبح هماً لقطاعات كثيرة نظراً لما وجد من مخرجات وممارسات غير مناسبة سواء ممارسات إدارية أو طبية أو تعليمية وغيرها. وبغرض تصحيح الواقع بشأن المخرجات وجعلها في وضع أكثر مناسبة للمجتمع استحدثت بعض الجهات إدارات أطلقت عليها أسماء متعددة كلها في نهاية المطاف تعنى بجودة المخرج الذي تتولاه هذه الجهة أو تلك. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر. مختبرات الجودة التابعة لوزارة التجارة، إدارة الجودة في وزارة التربية والتعليم والهيئة الوطنية للاعتماد الأكاديمي والتقويم التابعة لوزارة التعليم العالي. وباستحداث هذه الهيئات والإدارات وجدت في المجتمع نشاطات ولجان وحراك متخصص يتماشى مع هذه الهيئات, وقد أوفدت لجان قامت بزيارة دول رائدة في مجال الجودة واستقدام خبراء في مجال الجودة بغرض الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم وقدموا استشارات بشأن بناء وتطوير الهيئات والمؤسسات ووضعت الأسس والأطر التنظيمية, وشارك هؤلاء في محاضرات وورش عمل عقدتها الجهات التي تتبع لها هذه الهيئات والإدارات, وأذكر في هذا الصدد أن الهيئة الوطنية للاعتماد الأكاديمي والتقويم عقدت عدداً من ورش العمل, كما شاركت الهيئة مع كلية اليمامة في إقامة المؤتمر الوطني الأول للجودة في التعليم العالي الذي عقد خلال الفترة من 14 - 16/2/1428هـ. وتمشياً مع هذا الاهتمام الاجتماعي بشأن جودة المخرجات في المجالات كافة ناقش مجلس الشورى في جلسته التاسعة والسبعين خدمات الإنترنت وأصدر توصيات بغرض تحسين هذه الخدمة وسرعتها, رغم أن ما ذكر في الإعلام لا يكشف العمق الذي يجب أن يكون بشأن اهتمام المجلس بجودة خدمة الإنترنت والمؤشرات الدالة على ذلك.
ونظراً لأهمية الموضوع وعلاقته بكثير من المشكلات التي يتم طرحها عبر وسائل الإعلام وغيرها لا بد من مناقشة الموضوع من خلال النظر بشمولية إلى جميع عناصر المنتج والمراحل التي مر بها إنتاجه. هذا وتحسن الإشارة إلى أن الكثير من البضائع المادية والمعرفية والثقافية الموجودة في أسواقنا وفي منازلنا ليست من إنتاجنا بل يأتينا المنتج جاهزاً وليس لنا دور إلا استخدامه بوضعه الذي وصلنا وسواء كان وضعه جيداً أو غير جيد, فما أمامنا إلا الاستخدام لأننا محتاجون إليه, وهذا يمكن تجاوزه بوضع شروط ومواصفات دقيقة تأخذ في اعتبارها مناسبته لصحة الإنسان والعمر الافتراضي لهذا المنتج ونوع وقوة الأدوات الداخلة في تركيبه, فالسيارة على سبيل المثال التي تنتجها شركة تويوتا يمكن أن تكون بمواصفات حين تصدر للولايات المتحدة بغرض مناسبتها للمواصفات والشروط التي وضعت من قبل ذلك البلد والتي تناسب ظروف البيئة والمناخ وكذا شروط السلامة والتلوث وبعض المعايير الاجتماعية. ويمكن أيضاً أن تنتج شركة تويوتا سيارة أخرى لبلد آخر ولكن بمواصفات تختلف عن تلك التي صدرت للسوق الأمريكية. أما النوع الثاني من المخرجات فهو ذلك الذي ننتجه بأيدينا وداخل وطننا فهذا من الممكن أن نتعامل مع جودته من خلال نموذج يقوم على ثلاثة عناصر أولها عنصر المدخلات, وثانيها عنصر العمليات, وثالثها عنصر المخرجات, وهذا النموذج يعطينا الفرصة لمتابعة الموضوع منذ الخطوات الأولى, فالمدخلات في أي نشاط أو عمل كثيرة ومنها مدخلات مادية وأخرى بشرية. ففي برنامج تربوي أو تعليمي من الممكن أن تكون المدخلات الأستاذ من حيث مؤهلاته وتدريبه ومهاراته في التدريس وبحوثه وخصائصه الشخصية, والطالب من حيث مستواه وتوافر الشروط للالتحاق بالبرنامج, الأدوات المتوافرة للبرنامج والتجهيزات اللازمة من معامل ومختبرات ومكتبة, البيئة التي يجري فيها البرنامج, المحتوى المقدم من خلال البرنامج. أما العمليات فتتضمن الأنشطة, والعمليات من محاضرات, وورش عمل, ومناقشة, وواجبات وحل المشكلات, أما المخرجات فهي هذا الطالب المتخرج والمعلومات, والمهارات, وخصائص الشخصية التي اكتسبها من حيث كمها ونوعها ومستواها وهل هو قادر على توظيف ما تعلمه في مجال عمله. ويكفي أن نشير إلى عدم قدرة بعض المتخرجين في بعض المؤسسات التعليمية والتدريبية على تطبيق ما يفترض أنهم تعلموه, ما يعني وجود إشكالية في المخرج وعلينا البحث في الأسباب التي أحدثت هذا الخلل.
إن تحسين الجودة في المخرجات عمل يتطلب جهوداً متواصلة تبدأ مع مرحلة التخطيط لأي نشاط نعتزم القيام به ويتناول الأهداف والأدوات والأساليب المستخدمة والعمليات والإجراءات, كما أن تحسين الجودة يتطلب نية وإخلاصاً في العمل ونظاماً وترتيباً وأدوات يعالج من خلالها الخلل, إضافة إلى عملية تقويم مستمر ومتابعة دقيقة لجميع إجراءات العمل. إن شعور كل فرد بأنه جزء من منظومة العمل وشعوره بالمسؤولية ومعرفة دوره وصلاحياته سيزيد من فرص تحسين الجودة. ويمكن الإشارة إلى أن مخرجات النظام التعليمي أصبحت الأكثر أهمية في تحسين جودتها نظراً لأن المخرجات في المجالات الأخرى تعتمد على جودة المخرجات التعليمية. وللدلالة على هذا يمكن الإشارة إلى وجود هيئات دولية هدفها الأساسي اعتماد وتقويم البرامج التربوية بغرض تحسين جودتها مثل الهيئة الوطنية لاعتماد برامج إعداد المعلم وهيئة اعتماد التخصصات الطبية ومجلس اعتماد التخصصات الهندسية والتقنية. لا أشك ولو للحظة أن الجميع في بلدنا يتطلع إلى أن يرى مخرجات مصانعنا الأفضل والأقدر على المنافسة عالمياً, والجميع أيضاً يتمنى لو أن مخرجات جامعاتنا الأفضل والأعلى مهارة وقدرة, وإداراتنا الأكثر تنظيماً وانضباطاً, وطالما أننا بدأنا المشوار بالاهتمام بموضوع الجودة فسنصل إلى النهاية ونحقق الهدف, إن شاء الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي