قمة الرياض: دفعة قوية للسوق العربية المشتركة
منذ أن كنا أطفالاً ونحن نسمع عن السوق العربية المشتركة، وكانت وسائل الإعلام العربية لا تنفك تتغنى بأخبار الرخاء العميم الذي ستفرزه السوق العربية المشتركة، ومضت سنة واثنتان ومضى عقد واثنين وثلاثة، ثم مضى نصف قرن وأكثر ولم نر بريق السوق العربية المشتركة.
وحينما كبرنا بتنا نتساءل: أين السوق العربية المشتركة، التي كنا نسمع عنها ونحن صغار في الإعلام العربي؟ وكم المسافة المتبقية بيننا وبين السوق العربية المشتركة التي ظللنا نتغنى بها منذ نحو 60 عاما؟
طبيعي جدا أن يستيقظ هذا الحلم الجميل ونحن على بعد أيام قلائل من انعقاد القمة العربية في العاصمة الرياض، لاسيما أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يولي الملف الاقتصادي العربي اهتمامه الكبير، ومعروف أن القمم التي تعقد في الرياض لا تعقد لتبادل التحايا البروتوكولية، وإنما تعقد لتحقيق النتائج المثمرة لخير المواطن العربي والوطن العربي.
تاريخيا فإن مشروع السوق العربية المشتركة، سبق كل التكتلات الاقتصادية الإقليمية والعالمية التي بدأت ـ بآسيان وإييبك والاتحاد الأوروبي.. حتى منظمة التجارة العالمية.
وهذه المنظمات بدأت بعد مشروع السوق العربية المشتركة، ولكنها تعمل الآن لتحقيق الرخاء في بلدانها، أما لماذا ظهرت هذه المنظمات الاقتصادية الإقليمية والعالمية ولم تظهر إلى الوجود السوق العربية المشتركة؟ فإن السبب هو الإرادة السياسية العربية، فكثير من الدول العربية ترهن إرادتها – للأسف – لدول لا تحب الخير للعرب، ولذلك ظلت العراقيل توضع أمام الملفات الاقتصادية العربية لأكثر من 60 عاماً.
والآن لنضع الماضي جانبا وندخل في صلب الموضوع، بعد أيام قلائل تعقد القمة العربية في العاصمة الرياض ويستضيف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أشقاءه ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية في بيت العرب المملكة العربية السعودية، وسوف يكون على قمة جدول أعمال القمة موضوع الاتحاد الجمركي العربي والسوق العربية المشتركة.
في قمة تونس 2004 قررت القمة العربية أن يتحقق التشغيل الكامل لمشروع الاتحاد الجمركي بنهاية عام 2015، وكذلك قررت القمة العربية أن يتحقق التشغيل الكامل لمشروع السوق العربية المشتركة بنهاية عام 2020، أي لأول مرة يصدر قرار من القمة العربية بتحديد مدى زمني يضع هذه المشاريع الاقتصادية في مرمى التنفيذ الفعلي.
ودعوني أقول الحقيقة أن التحرك الذي تشهده الملفات الاقتصادية العربية في السنوات العشر الأخيرة بدءاً بمنطقة التجارة الحرة ثم الاتحاد الجمركي وصولاً إلى السوق العربية المشتركة.. ما كان له أن يتحرك في الاتجاه الإيجابي السليم لولا اهتمام المملكة بحتمية تحقيق هذه المشاريع، ونخص بالذات الاهتمام الشخصي من لدن وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف يقابله من الناحية الأخرى الاهتمام الشخصي من قبل أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، أما الجديد بالنسبة للعمل الاقتصادي العربي المشتركة فهو انتخاب الزميل الدكتور محمد التويجري لوظيفة أمين عام الجامعة المساعد للشؤون الاقتصادية.
ولذلك فإنني أتوقع أن تكون حظوظ هذه الملفات في مؤتمر قمة الرياض وافرة وسوف تراجع هذه الملفات وتزال من أمامها العقبات وتدفع بقوة إلى الأمام نحو التنفيذ الفعلي في الوقت المحدد لها.
إن المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الجامعة العربية وضع الاستراتيجية الملزمة للعمل الاقتصادي والاجتماعي المشترك وهذه الاستراتيجية هي بمثابة الآليات اللازمة للوصول إلى الاتحاد الجمركي والسوق العربية المشتركة، في الموعدين المحددين، ولعل أهم ما تضمنته الاستراتيجية هو توحيد التعريفة الجمركية تجاه العالم الخارجي، وتوحيد الإجراءات الجمركية والوثائق الجمركية المصاحبة لعمليات التبادل التجاري وتوحيد القوانين الجمركية العربية في إطار قانون جمركي موحد، والعمل على تطوير الجوانب الاستثمارية والتجارية العربية البينية مع ضرورة رفع كفاءة النقل بين الدول العربية برا وبحرا وجوا والتوسع في إقامة مشاريع عربية مشتركة في جميع القطاعات الاقتصادية، مع مراعاة متطلبات التنمية المستدامة وتسهيل وصول المستثمر العربي إلى الأسواق العربية وأولوية حصوله على الخدمات اللازمة من تمويل وضمان وتأمين ونقل وتسويق ومعلومات.
واللافت في نصوص الاستراتيجية العربية الاهتمام الكبير بالقطاع الخاص العربي إذ إن جل اهتمام الجامعة العربية في السنوات الـ 60 الغابرة كان منصباً على الحكومات، بمعنى أن الجامعة العربية كانت في كل أنشطتها تهتم بالحكومات والحكوميين، أما القطاع الخاص فكان مهملاً ومستبعداً، ولكن حينما بدأ القطاع الخاص يلعب دورا رائداً ومؤثراً في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للدول العربية.. أصبح من المهم فتح المجال أمام القطاع الخاص للعب دور مؤثر في دعم العمل الاقتصادي العربي المشترك، كذلك تتضمن الاستراتيجية توفير بيئة تشريعية واستثمارية لنشاط القطاع الخاص العربي، ورفع القيود أمام القطاع الخاص العربي في إقامة المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية، وإتاحة المعلومات عن الأسواق العربية وتطوير مشاركة القطاع الخاص في صياغة أهداف العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك، وتعزيز الشراكة بين القطاع الخاص والعام لتحقيق أهداف الاستراتيجية.
كذلك لاحظنا أن الاستراتيجية العربية التي اعتمدتها الجامعة العربية تهتم كثيرا بالتعاون بين مؤسسات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في إطار المجتمع المدني العربي.. وتدعم الجهود الرامية إلى خلق مجالات التطوير التكنولوجي على المستوى العربي بما فيه تكوين ونقل وتوطين التكنولوجيا مع تحسين مستوى البحث العلمي وتطوير القطاع الإنتاجي وتحسين مستويات النقل وزيادة المنافسة بين الشركات الإنتاجية العربية داخل السوق العربية، كذلك إيجاد الفرص المناسبة لتوطين الكفاءات العربية المهاجرة.
طبعا المواطن العربي سيكون أول المستفيدين من إنشاء السوق العربية المشتركة، لأن الأسواق العربية أسواق ضخمة والموارد الطبيعية والبشرية هائلة والإمكانات متاحة ومتوافرة لبناء السوق وتحقيق الرخاء، وتحقيق برامج ومشاريع التنمية المستدامة في كل الدول العربية دون استثناء.