القيادات الإدارية وقياس أدائها
التجديد بالثقة التي حصل عليها الوزراء وبعض قيادات المناصب الممتازة يزيد من أعباء المسؤولية ويرفع سقف التوقعات في أن يحققوا مستويات أعلى من الأداء انطلاقا مما تم تحقيقه في الفترة السابقة. إن إبقاء الوزراء وبعض القياديين الإداريين في مراكزهم يدل على أنهم أبلوا بلاء حسنا في السنوات الأربع الماضية وأن عليهم إكمال ما بدأوه. وهذا في ظني سياسة حكيمة تمنح الاستقرار والاستمرارية في تنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي قد لا تكفي السنوات الأربع لتنفيذها وتحقيق المرجو منها. البعض توقع تغييرات وزارية كبيرة من منطلق أن التغيير وتجديد الدماء يؤدي إلى التطوير والتحفيز وطرح أفكار ورؤى جديدة بطاقات متجددة تسعى إلى إحداث تغيير والبحث عن أوضاع أفضل. وهذا بلا شك رأي صحيح وتوجه محمود، ولكن هناك اعتبارات أخرى يجب أخذها في الحسبان بدلا من المطالبة بالتغيير من أجل التغيير فقط. إن الخبرة التي اكتسبتها القيادات الإدارية عبر سنوات من العمل في مجال معين يجب تقديرها والحرص عليها من حيث إنه تراكم معرفي وتكوين فلسفة ونمط في التفكير ونضج في الرؤية والحكمة في عملية اتخاذ القرار وقدرة على إدراك المعطيات والمتغيرات ومعرفة كيفية التعامل مع المستجدات ومواجهة التحديات بثقة أكبر استنادا إلى التجارب السابقة. إن ما يلزمنا في هذه المرحلة هو التفكير الجماعي وروح الفريق الواحد وإدراك أننا في السفينة نفسها حتى نعي حقيقة الأمر والأهداف الفعلية لما يجب عمله. بمعنى آخر التركيز في التقييم على الفعل وليس الفاعل والبعد عن الشخصنة حتى يكون التقييم موضوعيا محايدا. إن الهدف الأساس هو المصلحة الوطنية وما ينفع الناس لا أكثر ولا أقل. وأن المزايدات على وطنية هؤلاء القياديين الذين تصدوا للعمل العام وتحملوا مسؤولية خدمة الناس أمر غير مقبول وينم عن ضيق الأفق والنفس الشخصي والأنانية المقيتة. إن الآمال تتجه مرة أخرى إلى صناع المستقبل ومصير الأمة بفكرهم النير ونياتهم الحسنة وعزيمتهم وإصرارهم على نقل الوطن إلى آفاق أرحب وفتح فرص كبيرة للتقدم والتحضر وتحقيق طموحات المواطنين، ليس في الوقت الحاضر وحسب ولكن في المستقبل وإيجاد معالجات للمشكلات والقضايا الحالية وبذل الجهد لوضع حلول جذرية تقضي على المسببات وتقتلع المشاكل من جذورها.
ولكن يبقى أمر في غاية الأهمية وهو قياس الأداء والمعايير التي يبنى عليها القياس. إذ إن نجاح المسؤول أي مسؤول مرتهن بمدى تحقيقه النتائج وتطوير العمل الإداري وارتباط ذلك بالخدمات التي تقدم للجمهور. لا يكفي بأي حال من الأحوال أن يكون نشيطا في أداء العمل متفانيا لينعت أداؤه بالتميز فإن العبرة بالنتائج وليس تطبيق الإجراءات الروتينية. إن هناك بونا شاسعا بين معياري الكفاءة الاقتصادية والفاعلية. والحقيقة أن هناك تركيزا دائما على الكفاءة وهي معنية باستخدام الموارد والعملية الإدارية بينما الفاعلية تتعلق لأي مدى تم تحقيق الهدف، هذا الجزء عادة لا يلقى الاهتمام الكافي. ولكن كيف السبيل لمعرفة ما تم تحقيقه إذا لم يكن هناك أهداف استراتيجية وسياسات معلنة للوزراء والقيادات الإدارية. أي ليس هناك مؤتمرات صحافية يعلن فيها الوزراء عن رؤيتهم المستقبلية وكيفية تحقيقها والإطار الزمني لتحقيقها. لقد أصبح من الضروري ومن أجل التعرف على الأداء الفعلي لكل قيادي في أن يفصح عن فلسفته وتصوره المستقبلي الذي على أساسة يمكن تقييم أدائه في نهاية الفترة. لا شك أن الإخلاص في العمل وتطبيق الإجراءات أمر محمود وخلق عظيم إلا أن البعض من القيادات يسيطر عليه فكر الحفاظ على الأموال العامة والحذر الشديد للدرجة التي يعطل فيها مصالح كثيرة ويفوت فرص الارتقاء بالخدمات. إن من بين الأمور المهمة التي يلزم أن يتحلى بها القياديون هي التفكير الإبداعي وتوليد أفكار جديدة وتبني مبادرات شجاعة محسوبة. هذا الأسلوب القيادي هو الجسر الذي ينقلنا إلى مراحل متقدمة في الاقتصاد والصناعة والتنمية الاجتماعية. القياديون هم عناصر التغيير الاجتماعي ومن دون هذا الدور لن يكون هناك تأثير ملموس. أعلم أن واقع الحال الذي يواجهه هؤلاء القياديون الأفذاذ التنظيمات البيروقراطية التي تعوق التطوير والتغيير، فالبيروقراطيات لها ثقافة متجذرة خاصة بها من الصعب تغييرها في سنوات قلائل. على سبيل المثال هناك أهمية كبيرة لتطويل الإجراءات وأن تأخذ المعاملات الإدارية دورة طويلة على حساب إنهائها بسرعة وكفاءة. والبيروقراطيون لهم وسائلهم وألاعيبهم للتأثير في صاحب القرار، فهم يمتلكون مبررات لكل قرار لإمضاء مشروع أو تعطيله. بعض القياديين ومن حيث لا يعلم يدخل في دوامة الروتين ويغرق في الإجراءات حتى لا يتسع وقته لوضع الخطط المستقبلية المهمة الأولى له. إن الاهتمام بالإجراءات الروتينية يحول القياديين في المراتب العليا إلى إداريين في الإدارة الوسطى وهذه طامة كبرى. فأدوار الإدارة العليا تختلف تماما عن أدوار الإدارتين الوسطى والدنيا. وبنظرة فاحصة لبعض المؤسسات والوزارات نجد أنها خلية نحل ولكن للأسف دون عسل لأنها في واقع الحال هي ليست خلية نحل وإنما خلية دبابير تسمع طنينها وترى انشغالها بإيذاء من يقترب منها. إنه من الخطأ الفادح أن نفسر الجري في المكان نفسه على أنه أداء متميز وإنما من الواجب أن نقيس التأثير النهائي. وأقول التأثير النهائي وليس مقدار الناتج لأنه ليس المهم أن نزيد الإنتاج فقط ولكن الأهم أن يؤدي المنتج إلى التأثير المطلوب. على سبيل المثال ليس المهم أن تقوم الجامعات بقبول أكبر عدد وتخريج أكبر عدد من الطلاب وإنما العبرة في نوعية ومستوى وجودة البرامج التي تقدم ومستوى الخريجين وقدرة الجامعة على تقديم الدراسات الميدانية والاستشارات المهنية وتطوير النظم الإدارية والمالية والأكاديمية، ويلخص ذلك كله الحصول على الاعتماد الأكاديمي. إن بعض الجامعات تضخمت وانتفخت إداريا على حساب الأهداف الأساسية وهو التعليم والأبحاث والاستشارات. عندما يكون الطالب وأعضاء هيئة التدريس في قاع الأولويات فثمة خطأ ما. أما الوزارات فهناك من القياديين الذي يختار أن يدور في فلك ضيق وحذر يكاد يصل إلى التوقف عن الاهتمام بما يجب عمله ويجنح نحو التسكين آخذا بالقاعدة النحوية "سكن تسلم"، همه الأساس عدم الوقوع في الخطأ حتى لو أدى ذلك إلى عمل القليل في دائرة الروتين الضيقة البطيئة من خلال لجان واجتماعات لا تسمن ولا تغني من جوع. هذا الجانب المظلم من العمل الإداري تقابلة نجاحات إدارية وهي ولله الحمد الغالب الأعم إلا أنه من الصعب إثبات ذلك في ظل عدم وجود آلية في التعريف بالسياسات والرؤية المستقبلية عبر مؤتمرات صحافية وتقارير إخبارية. ما نحتاج إليه هو "إدارة بالأهداف" وليس إدارة طوارئ أو إدارة السبات الشتوي.