رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تجديد حيوية مجتمعنا

[email protected]

بعد أن أقرت المملكة نظاما يجدد حيوية الأداء الحكومي هناك من يرى أن هذه فرصة يجب استثمارها.
التركيبة الأساسية في المملكة سياسيا واستراتيجيا مستقرة وفي وضع فريد يمكّن المملكة من استغلال فرصة تاريخية لتحقيق قفزة تنموية، حيث إن الوضع السياسي الخارجي ملائم بعد أن تبين تميز المملكة في الثوابت من ناحية، والوضع المالي المريح من ناحية أخرى. في الكثير من دول العالم هناك تجاذب واضح بين ما يحتاج إليه السياسي في تحقيق نقاط ومرابح سياسية قصيرة الأجل والتي تأتي على حساب المصارحة والتضحية المطلوبة لحلول طويلة الأجل.
فالسياسي دائما يختار ما يخدمه في المدى القصير ونراه يقول سوف نعبر الجسر القادم حين وصوله وهو بهذا يمارس انتهازية سياسية.
في المملكة هناك دور تكنوقراطي وفني تنموي لأغلبية الوزارات وهذه ميزة إيجابية أخرى تساعد على تحقيق برامج تنموية بعيدة المدى.
صلب الموضوع هو البرامج التنموية ومدى ملاءمتها وقدرتها على التعامل مع الواقع والمستقبل، الواقع الذي تتجلى أهم صوره في التركيبة المشوّهة في سوق العمل في المملكة وقلة الصادرات ذات القيمة المضافة إجمالا، والمستقبل الذي تتجلى أهم صوره في عدم قدرة الأجهزة الإدارية والتعليمية على إيجاد العقلية القادرة على التكيف والتقدم مع متطلبات المنافسة العالمية. ونحن هنا لسنا بصدد تقييم أفراد ولكن في تقييم الزخم البشري والقدرة على تأهيله. (مع ملاحظة ما ذكر عن وجود الجامعات السعودية في ذيل قائمة ترتيب الجامعات على مستوى العالم) في التقرير الذي صدر أخيرا.
درجت العادة أن البرامج التنموية في المملكة توجه وتقاد من منظار مالي على حساب المنظار الاقتصادي، فنكون بذلك قد وضعنا العربة أمام الحصان، وقد يكون هذا النموذج ممكن التعايش معه حين يكون الاقتصاد في مراحله الأولى والمنافسة العالمية أقل والتركيبة السكانية مواتية، ولكن الظروف تغيرت وعلينا التعامل مع الظروف الجديدة. هذا المنظار المالي جعل وزارة المالية تأخذ مساحة وزارة الاقتصاد والتخطيط، بل ووزارات تنفيذية مباشرة مثل المياه والكهرباء والتعليم والصحة. لذا حان الوقت أن يتغير النموذج، وأن نبدأ بجهاز حكومي يكون قادرا على تفعيل هذا الإطار الجديد، هذا الإطار الذي يكون الفكر والتخطيط الحصان الذي يجر عربة التمويل وليس العكس.
بدأت المملكة بخطوات خجول في هذا الاتجاه حيث فصلت الجهات الاقتصادية عن وزارة المالية ودمجتها مع وزارة التخطيط، لذلك فإن التكوين الإداري الأعلى بدأ بالأخذ بهذا النموذج، إلا أنه على أرض الواقع وفي دهاليز البيروقراطية من مديري قطاعات في المالية إلى ممثل مالي إلى لجان وزارية تعظم دور وزارة المالية، وبذلك بقيت وزارة الاقتصاد والتخطيط مشلولة الحركة ولم تأخذ الدور القيادي المنوط بها.
هذا الفرز بين الوزارتين مهم جدا لسبب أساسي حيث إن التنمية وإدارة الاقتصاد عملية فكرية وتخطيطية في الأساس وليست مالية، وما المال إلا أحد سبل تنفيذها ومرات لا يكون العامل الحاسم في النجاح. هذا النموذج الساري اليوم لم يستطع حتى المجلس الاقتصادي الأعلى التأثير فيه (سبق أن ناقشنا دور المجلس الاقتصادي الأعلى في مقال سابق) حيث يخلط المجلس الاقتصادي الأعلى بين الدورين التنفيذي والاستشاري مما يصعب المهمة ويبعدها عن مقارعة الجهاز البيروقراطي، لذلك يأتي تغيير النموذج بإعطاء وزارة الاقتصاد والتخطيط الدور المركزي في السياسة التنموية في محاولة جادة لتغيير الواقع.
سوف تضطر وزارة الاقتصاد والتخطيط (ولعلها هيئة تخطيط مستقلة عن الوزارات التنفيذية، هذا وسبق أن ناقشنا عملية صنع القرار الاقتصادي في مقال سابق) لمساءلة الوزارات التنفيذية، وتبدأ هذه المساءلة بالمطالبة ببرامج واقعية وبنظرة مستقبلية تندرج تحت استراتيجية وطنية عليا وبرامج عملية صغيرة تضيف قيمة فكرية وعملية ليس للاقتصاد السعودي فحسب، بل في تغيير النهج الفكري. ليست هناك حلول سحرية للتنمية ولكن تأطير الفكر وتحديد المسؤوليات والمساءلة هي الخطوات الأولى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي