قمة الرياض والآمال المعقودة
تستضيف عاصمتنا الحبيبة الرياض القمة العربية, وتأتي هذه القمة في ظروف معقدة وصعبة على الشعوب وعلى القادة على حد سواء, فأينما التفت المرء يجد النار ملتهبة في أجزاء كثيرة من الوطن العربي الكبير, فالعراق يحترق بفعل الاحتلال وأعمال القتل على الهوية. وفلسطين يعاني أهلها ويلات الخلافات الداخلية ووطأة الاحتلال النكد الذي لم يترك سبيلاً من سبل تضييق العيش وآلة من آلات البطش والتنكيل إلا واستخدمها بهدف إذلال الشعب الفلسطيني وتركيعه. أما لبنان فهو يعيش أزمة طائفية ومذهبية منذ عقود وإن اختفى وهج نارها بعد اتفاق الطائف إلا أن الجمر ظل حياً طوال هذه السنين حتى جاء سقوط العراق بأيدي الاحتلال وأعوانه لتستيقظ الفتنة من جديد في لبنان. ولا يخفى ما حدث ويحدث حتى هذه اللحظة من اعتصامات ومناكفات واتهامات متبادلة بين أقطاب المعارضة والموالاة حتى بلغت صورة تشمئز من سماعها الإذن ويرفضها العقل السوي. أما السودان ومشكلة دارفور التي تضافر على إيجادها عوامل داخلية وخارجية فهي عبء جديد يضاف إلى الحمل الذي يواجهه القادة أو يفترض أن يواجهوه. أما الشعوب فيكفيها أنها أنها تحترق لما تراه لكنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً إزاء هذه المصائب وكأن لسان حالها يقول العين بصيرة واليد قصيرة. أما الصومال الذي تمتد مشكلته منذ سقوط نظام سياد بري, فهذا هم إضافي يضاف للهموم الأخرى التي تمت الإشارة إليها. وفي وضع كهذا لاشك أن الأمة ترجو من قادتها الكثير لا أقول لحل هذه القضايا كافة بل على أقل تقدير بعضها, وهذا رهن بالجهود التي تبذل من قبل القادة مع صفاء النوايا والاستعداد المسبق. ولعله من المناسب أن نشخص بشأن الاستعداد والترتيب لحلحلة هذه القضايا, إذ يمكن الإشارة إلى جهود المملكة في هذا الشأن فنظراً لكونها البلد الذي يستضيف القمة ولما للمملكة من وزن على المستوى العربي والإقليمي والدولي فقد جاء اختيارها مقراً للمؤتمر. وفي ظني أن الاختيار في حد ذاته موفق لضمان جزء من النجاح لهذه القمة التي وكما سبق الإشارة تأتي في ظروف معقدة جداً. ولا أعتقد أن دولة من الدول ستجازف في بسمعتها وتستضيف قمة لن تنجح, لكن وكما أشرت, فالثقة التي تحظى بها المملكة تمثل عاملاً قوياً في عقد القمة في الرياض.
وسعياً من المملكة إلى إنجاح القمة وحل جزء من مشكلات الأمة بدأت منذ فترة في التنسيق مع الأشقاء العرب كما تم التحرك المكثف مع الفرقاء في لبنان، فلسطين، والعراق وذلك بغرض التقريب بين وجهات النظر المختلفة. وعلى الصعيد الفلسطيني يعلم الجميع الجهود التي بذلها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حين عقد اجتماع مكة وانتهى الأخوة الفلسطينيون إلى ما عرف باتفاق مكة والذي تم بموجبه الوقف الفوري للاقتتال بين حركتي فتح وحماس, كما تم الاتفاق على بنود تشكيل الحكومة الفلسطينية والتي تم الإعلان عنها وقدمت للبرلمان الفلسطيني بغرض الموافقة عليها وعلى برنامجها. رغم أن اتفاق مكة وجهود المملكة لم تلق الترحيب والمباركة من بعض الأطراف الدولية مثل أمريكا وإسرائيل اللتين أعلنتا في حينه أن الاتفاق لا يمثل شيئاً ما لم تعترف (حماس) بإسرائيل وتنبذ العنف وتلتزم بالاتفاقيات السابقة. ومثل هذا الموقف من هاتين الدولتين غير مستغرب لكن واجب الفلسطينيين والعرب عموماً تفويت الفرصة على الأعداء والمضي قدماً في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مكة حيث تحول إلى وثيقة أساسية لها قيمتها السياسية في حل إشكالات وجدت بين الفلسطينيين كما أن لها قيمتها التاريخية التي سيتردد صداها في المستقبل كما حدث في اتفاق الطائف بين اللبنانيين.
أما الوضع العراقي ومساحة الاهتمام به من قبل المملكة وكذا من قبل القمة فيكفي أن نشير إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والتي أثمرت عن اتفاق بين المملكة وإيران على التصدي لنار الفتنة التي أشعلها الاحتلال بما يثيره من نعرات وبما يحدثه من دمار مرة في هذا الحي ومرة في الحي الآخر وذلك على مدى سنوات الاحتلال حين وضع نظاماً طائفياً وخلق مصطلحات لم تكن معروفة عند العراقيين قبل الاحتلال مثل المثلث السني ومدينة الصدر الشيعية والأعظمية السنية والكاظمية الشيعية وما إلى ذلك من مسميات طائفية ومذهبية أريد بها إشعال الفتنة وإذكاءها كلما أوشكت أن تنطفئ. ولعل ما نشاهده من تحركات على الساحة العراقية يشير إلى محاولات لوأد الفتنة في مهدها حتى لا يمتد سعارها إلى خارج العراق خاصة الدول المجاورة والتي تجلس على برميل بارود كما عبر عن ذلك خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أثناء القمة الخليجية السابعة والعشرين والتي عقدت في الرياض. ومع أن الجميع يتمنى أن تنجح قمة الرياض في إخراج العراق من المأزق الذي وضعه الاحتلال فيه وبعض أبنائه إلا أني أعتقد أن مثل هذا الهدف يحتاج إلى جهود مضنية تتسع رقعتها إلى ما هو أبعد من الأفق العربي, إذ إن الوضع العراقي تداخلت فيه أوراق إقليمية وعالمية وداخلية أهمها قوة الاحتلال الأمريكي بالإضافة إلى النفوذ الإيراني والتحركات الإسرائيلية على الأرض العراقية بغرض استكمال تدمير هذا الوطن العربي. ومع يقيني أن الاحتلال الأمريكي راحل عن العراق إلا أن المشكل العراقي قد لا يخرج من القمقم الذي دخل فيه ما لم يعترف العراقيون ببعضهم البعض ويعيشوا كما عاشوا من قبل.
أما الوضع في لبنان فإنه سيكون حتماً أحد القضايا التي تتصدى لها قمة الرياض ويكفي أن نشير إلى جهود المملكة والزيارات التي قام بها الفرقاء اللبنانيون للمملكة ولقاءاتهم المسؤولين بالإضافة إلى تحركات السفير السعودي هناك ما أثمر عن لقاءات بين أطراف النزاع اللبناني , حيث التقى سعد الحريري رئيس كتلة المستقبل مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري وصدرت بعد ذلك تصريحات تبشر بانفراج الأزمة اللبنانية. أعتقد أن قمة الرياض ستكون مثقلة بالمواضيع الكثيرة والمعقدة والشائكة وكل زعيم سيأتي لهذه القمة وهو يحمل همه الخاص به ويتمنى لو أن القمة تمكنت من الإسهام في حل المشكلة التي يواجهها في بلده. فالرئيس السوداني يحمل هم دارفور الذي نفخت فيه أمريكا نكاية بالسودان وصراعاً مع الصين على مخزون النفط الهائل في تلك المنطقة. والرئيس اليمني يحمل هم الحوثيين والصداع الذي يحدثونه منذ فترة ما أفقد البلد شيئاً من استقراره. والمغرب العربي يعاني من التفجيرات التي لم تسلم منها المملكة أيضاً بالإضافة إلى تحركات عرقية كما في حالة الحركة البربرية في الجزائر.
لقد تغنى الشعراء ببطولات العرب وأمجادهم وهم أهل لذلك حين كانوا يعملون بجد وإخلاص لهذا الهدف وتجاوز للشكليات واهتمام بالأمور الجسام ويكفي أن نشير إلى قول الشاعر:
ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العاملين أو القبر وإذ نذكر أنفسنا بهذا البيت الجميل بمناسبة انعقاد القمة في الرياض فهل ما نزال نتطلع إلى المجد وإلى الصدارة بين الأمم؟ أعتقد جازماً أن هذا هو هدف الجميع مهما كانت المحن والرزايا التي تمر بها أمتنا والتي يعمل الآخرون على إحداثها واستمرارها فينا ومعنا لكن وعينا وهممنا وتوظيفنا الإمكانات المادية والبشرية التي تتوافر لدينا في العالم العربي والإسلامي كفيل أن يقدمنا للصدارة ونسهم في حل مشكلات الآخرين بدلاً من تطلعنا إليهم للإسهام في حل مشكلاتنا. ولنا في قمة الرياض أمل كبير في الخروج من القبر الذي سعى الآخرون لوضعنا فيه وأسهمنا نحن بسلوكنا وطريقة تفكيرنا في النزول للقبر والبقاء فيه فترة لم تكن قصيرة.