لماذا تقدم الاقتصاد الآسيوي .. وتأخر الاقتصاد السعودي الآسيوي؟
حينما أرى في السوق السعودية مجموعة كبيرة من السلع المصنعة في كوريا الجنوبية، ماليزيا، الهند، تركيا، سنغافورا، والصين، وأقرأ عن الشركات الآسيوية الضخمة التي تضاهي كبريات الشركات العالمية.. أشعر بالغيرة وأتساءل بحرقة: لماذا لم يتطور الاقتصاد السعودي بمثل ما تطورت اقتصادات هذه الدول؟ ثم أستعرض - في إلماحة عاجلة - تاريخ التطورات الاقتصادية لهذه الدول على مدى الخمسين عاما الماضية، وأرى أن هناك مجالاً للمقارنة بين هذه الدول وبين السعودية، ولذلك أطرح السؤال مرة ثانية وثالثة: لماذا تحقق هذه الدول تقدماً اقتصادياً مذهلاً ونحن ما زلنا نحبو ونقتات عند أبوابها نبحث عن منتجاتها الصناعية؟
أعتقد أن هذا السؤال مشروع ومطروح، ولكن إذا تجاوزنا المقارنة السطحية وقارنا بين ظروف اقتصادات هذه الدول والاقتصاد السعودي، فإننا نجد أن ظروف الاقتصاد السعودي طوال نصف قرن خلت كانت أفضل نسبيا من ظروف هذه الدول في الفترة نفسها، وكان المفروض أن يسبق اقتصادنا اقتصاد هذه الدول ولا يتخلف عنها.
إننا نطلق الألقاب بسخاء على حقبنا الاقتصادية ونقول عصر الطفرة الأولى إيماء إلى فترة الثمانينيات، وعصر الطفرة الثانية إيماء إلى بداية الألفية الثالثة، ولكن مرّت الطفرة الأولى وتوشك أن تمضي الطفرة الثانية، والعصور الاقتصادية تمر وتمر والاقتصاد يتجه إلى التخصص في الاقتصاد الاستهلاكي.
لقد حبانا الله سبحانه وتعالى بمورد مهم في دنيا الصناعة والاقتصاد وهو البترول، وتلك الدول ليس في جعبتها أي مورد طبيعي، وحبانا الله بدين أقوم يعلي من إنتاجية الإنسان ويمكنه من عمار البلاد والعباد، ثم متعنا الله سبحانه وتعالى بالاستقرار السياسي المطلوب لأي نهضة اقتصادية.
إذاً نطرح السؤال بإلحاح أكبر: لماذا لم يحقق الاقتصاد السعودي ما حققته اقتصادات هذه الدول من تقدم وضعها في مصاف الدول الصناعية؟ ثم كيف السبيل إلى أن نسرع الخطى ونلحق بركب الدول الصناعية الناشئة كما فعلت هذه الدول الاقتصادية الناجحة؟
إن العالم - ونحن جزء منه - يشهد مرحلة تحول كلي بدأ منذ ثمانية عشر عاما، وإلى أن تكتمل هذه المرحلة، فهناك دول أبصرت القواعد التي ستحكم النظام العالمي الجديد، فبدأت تجهز نفسها لتكون شريكا في صناعة المستقبل، ولهذا لوحظ أن دولا استطاعت في فترات قصيرة أن تحقق تقدما اقتصاديا مبهرا رغم محدودية الثروة والموارد والإمكانات، ودولا بقيت مكانها لا دور لها في صناعة المستقبل، وتجمدت سياسيا وثقافيا واقتصاديا.
الواقع إن كلمة السر في الثورات الصناعية في كل دول العالم تكمن في الإنسان، ولذلك إذا قارنا معدل إنتاجية الإنسان في كوريا أو الهند أو ماليزيا أو سنغافورة أو الصين .. نجد أنها أعلى أربعة أو خمسة أضعاف إنتاجية الإنسان السعودي. يضاف إلى ذلك أنّ دور الإدارة - التي هي في الأساس مجموعة إنسان - في هذه الدول أقوى بكثير من دور الإدارة في الاقتصاد السعودي التي تتسم بالبيروقراطية المقيتة، كما أننا نلحظ في تلك الدول أن الإدارة تلعب الدور الرئيس في التعبئة العامة وتأهيل الموارد البشرية لتفعيل التنمية المستدامة وتحويل المجتمعات من مجتمعات اتكالية إلى مجتمعات ترتفع فيها إنتاجية الفرد إلى أعلى المستويات. وبالإضافة إلى ذلك فإن الإدارة في تلك الدول تلعب دوراً فاعلاً في بناء مناخ الإبداع والجودة والإنتاج والارتقاء بالخدمات، وهنا تتحرك الدورة الاقتصادية في مراحلها المتواكبة .. حتى يتشكل الناتج القومي الوطني وتزيد السلع والخدمات ذات الجودة العالية. وإذا توفرت السلع والخدمات ذات الجودة العالية، فإن الطلب عليها بأسعار في متناول الجميع .. سيزداد، ومع زيادة الطلب تتزايد الأرباح ويتحقق الانتعاش والرواج الاقتصادي في كل قنوات الاقتصاد الوطني.
وهذا يعني أن استكمال الدورة الاقتصادية يبدأ بالإنسان، وأن تشكيلاته الإدارية هي التي جعلت اليابان قبل كوريا وجعلت الصين قبل الهند وجعلت ماليزيا قبل السعودية .. وبذلك أصبحت هذه الدولة دولاً صناعية من الطراز الأول.
وحتى لا تأخذنا الغيرة إلى أبعد مدى، فإن المطلوب هو الاعتراف بأننا تأخرنا عن ركب الصناعة، وأن الإنسان السعودي في حاجة إلى تجديد في برامج التدريب والتعليم، وأنه في حاجة إلى تنظيمات إدارية تعيد اكتشاف قدراته لتوظيف الإمكانات التي يتمتع بها، ويستثمر الموارد الطبيعية المتاحة بكفاءة عالية من أجل نهضة صناعية تنافس وتسعى إلى بلوغ الأفضل في مجالات التنمية والنهوض.
ويجب أن نعترف بأن الإنسان السعودي في حاجة إلى إعادة صياغة بحيث نستبدل فيه حياة الدعة والرفاهية والاتكالية.. إلى الإحساس بأهمية العمل والإنتاج لتحقيق التميز والنجاح ودفع الاقتصاد باتجاه الوفرة والجودة والرخاء.
ولا شك أننا في أمس الحاجة إلى مراجعة دور المؤسسات التدريبية والتعليمية وإعادة هيكلتها، وفي أمس الحاجة إلى وضع أنظمة وقوانين تأخذ بيد الإنسان السعودي إلى حيث يجب أن يكون، لأن الإنسان السعودي هو نبت هذه الأرض التي أنبتت أعتى القيادات والمصلحين الخالدين الذين بنوا الإنسان وعمروا الأرض وأقاموا الحضارة الإسلامية التي قامت عليها كل حضارات الدنيا في المعاصر والراهن وما قبلهما.