المطلوب وزارة للتجارة الخارجية لجني أرباح الانضمام إلى WTO
حينما أعلن عن إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995م اندفع السياسيون وخلفهم الاقتصاديون يناشدون جميع دول العالم الانضمام إلى هذه المنظمة.
وكان الجميع يحذر الجميع من أن من يفوته ركب هذه المنظمة فستفوته فرصة تحقيق الثروات الطائلة والصعود إلى مصاف الدول الغنية.
ولكن في كل ما قرأت واستمعت وشاهدت وكل الندوات التي كنت حريصا على حضورها لم تكن الصورة واضحة تماما، ولذلك لم أصل إلى قناعة كاملة أن الانضمام إلى هذه المنظمة سينقل هذه الدول من مستوى الدول الفقيرة إلى مستوى الدول الغنية، وكان لسان حالي يتساءل: من متى كانت الدول المتقدمة قلبها على الدول الفقيرة، وكنت أداري فهمي المتواضع للكلمات المتقاطعة التي تحفل بها الألوان الوردية التي تزين الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وأدعي أنني أتفهم أهمية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية!
ولكن جل ما أتمناه هو أن يكون انضمام الدول الفقيرة إلى هذه المنظمة مبنيا على تحقيق المصالح المشتركة وليس مبنياً على استغلال الدول المتقدمة الدول الفقيرة التي تكتظ أراضيها بالموارد الطبيعية الثمينة، وهو استغلال بات يتضح ويكشر عن أنيابه من خلال تمسك الدول الكبرى بمواقفها التقليدية الضارة بمصالح الدول النامية، ولعل فشل مفاوضات جولة الدوحة خير دليل على أن الدول الغنية لا تضمر الخير للدول الفقيرة.
وبهذه المناسبة نستطيع القول إنه من حسن حظ دولنا الخليجية أن جولة الدوحة لم تتقدم في الاتجاه الذي خططت له الدول الكبرى. ليس لأن القطاع الزراعي لا يحتل مكانة مهمة في اقتصادياتنا الخليجية ولكن لأن غيابنا عن المشاركة الفعالة في المفاوضات المتعددة الأطراف سيفقدنا الكثير من المكاسب التي يمكن أن نحققها لاقتصادنا الخليجي. لأن كثيراً من المكاسب الاقتصادية يمكن تحقيقها عبر المفاوضات الجيدة، ولكن المفاوضات لن تكون قوية من جانبنا إلا إذا بنينا المؤسسات القادرة على الوصول إلى أهدافنا المتوخاة.
ورغم أن جميع دول الخليج العربية الأعضاء في مجلس التعاون استكملت انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.. إلا أن بناء الأجهزة والقدرات التفاوضية وتأسيس جهاز مستقل يضمن الاستمرارية والتفرغ والمتابعة الدقيقة، وبناء التحالفات اللازمة مع الدول ذات المصالح المتشابهة، والتنسيق الكامل مع بقية دول مجلس التعاون لايزال قاصراً، ولايزال الغياب عن مفاوضات المنظمة هو سيد الموقف، وما يحدث الآن هو قيام ممثلي الدول الخليجية – كما ساعي البريد - بنقل الوثائق النهائية إلى العواصم الخليجية، أكثر من هذا فإن جدوى الانضمام إلى المنظمة لايزال – عند الكثير - موضع شك على الرغم من مرور أكثر من عام على انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية.
هنا أتساءل: هل يمكن أن نشهد انهيار منظمة التجارة العالمية وبالذات بعد اجتماعات دافوس 2007 التي أكدت أن الولايات المتحدة لم تعد دولة عظمى اقتصاديا وأنها لن تحقق المكاسب الاقتصادية التي كانت تنشدها من قيام المنظمة، وأن مجموعة الـ 20 وبالتحديد الصين، الهند، البرازيل، والأرجنتين هي الدول التي ستستفيد من المنظمة وليست الولايات المتحدة وأوروبا.
بمعنى هل منظمة التجارة العالمية مشروع قابل للانهيار أم أن ما يحدث على طريق قيام المنظمة بوظائفها الوردية ما زال قائم وأن ما يحدث من فشل في المباحثات بين الدول الفقيرة والغنية إنما هو من باب البحث عن نقطة التوازن لتحقيق لا غالب ولا مغلوب.
لقد كان الهدف الرئيسي من جولة الدوحة التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى تحقيق مزيد من تحرير التجارة في جميع المجالات الزراعية والصناعية والاستثمار والمنافسة والبيئة والتعاملات الحكومية وغيرها من المجالات، إلا أن المفاوضات طوال السنوات الست لم تسجل أي تقدم يذكر لأن عقلية العديد من الدول المتقدمة – كما ذكرنا - تسيطر عليها الأطماع التقليدية، مدفوعة بقدراتها على تحقيق كل مصالحها الاقتصادية، وحصولها على أسواق أكبر من خلال تحرير أسواق الدول النامية في مختلف القطاعات، في الوقت الذي تبقى فيه إعانات قطاعها الزراعي في مستوياتها الأعلى دون الاكتراث بنصوص المعاهدات الموقعة تحت مظلة المنظمة الدولية.
إلى وقت قريب كانت الدول المتقدمة تستطيع التوصل إلى أي اتفاق دولي دون أية مقاومة تذكر من الدول النامية وتمارس الدول المتقدمة لتحقيق أغراضها مختلف أنواع الضغوط بما في ذلك ممارسة سياسة "العصا والجزرة" والتلويح بزيادة المساعدات أو قطعها، أو حماية الحكومات من المعارضة الداخلية أو دعم هذه المعارضة أو زرع الفتن بين الدول النامية للحيلولة دون تكوين جبهة فيما بينها تعوق تحقيق المصالح الذاتية للدول المتقدمة.
إن المستوى التفاوضي الذي بلغته الدول النامية الكبرى مثل: الصين، البرازيل، الهند، كوريا الجنوبية، والأرجنتين وغيرها.. بلغت مستوى فاعلا في التأثير على مسودات القرارات الدولية، بل تعدت ذلك إلى البدء بتكوين جبهات وتكتلات تفاوضية أصبح لها وزنها، وبدأت ترفض كل ما يتعارض ومصالحها. وهنالك أمثلة عديدة توضح الثقل الدولي للعديد من الدول النامية في الاجتماعات والمفاوضات الدولية، الذي بسببه غيرت الدول المتقدمة قاموس التخاطب مع هذه الدول من الخطاب الإملائي إلى الخطاب الرجائي.
ولا شك أن هذا التطور في أداء بعض الدول النامية المتمثل في تقوية جبهتها التفاوضية ما زال في حاجة إلى المزيد من دعم دول العالم الثالث، ونخص بالذات دول الخليج التي تتمتع بملاءة مالية عالية ولكنها لا تزال غائبة عن المشاركة الفعالة في المفاوضات التي تتصارع تحت قبة المنظمة الدولية.
ولا نتصور أي دور تفاوضي قوي لدول الخليج إلا إذا أنشأت كل دولة خليجية وزارة مستقلة تتولى إدارة ملف التجارة الخارجية وتفتح كل الأبواب مع منظمة التجارة العالمية وتسهم بقوة في المفاوضات المتعددة التي باتت تحتاج إلى حرفية ومهارة متقدمة جداً.
ولذلك فإن المطلوب من دول الخليج – وبالذات السعودية – أن تبادر سريعا بإنشاء وزارة مستقلة للتجارة الخارجية تعطيها مسؤولية الارتقاء بمستوى المفاوضات وبناء العلاقات على أساس المصالح المشتركة ومحاولة الاستفادة من الإنجاز الكبير الذي تحقق بقبول انضمام المملكة إلى المنظمة العالمية.