متى نرى مجلساً للحوار الوطني حول التأمين الصحي؟
التأمين الصحي من القضايا التي تمس رفاهية الشعوب مباشرة. لذا فإن إقرار صيغة التأمين الصحي يجب أن يكون وفق ملائمة التأمين الصحي للمجتمع السعودي من الناحية الدينية والاقتصادية والثقافية وبنية تحتية. فالتأمين الصحي يراه البعض قارب النجاة المخلص من قلة الموارد المالية والتي يرى القائمون على وزارة الصحة أنها السبب الأساسي لضعف الخدمات المقدمة عبر مستشفياتها. فلا شك أن شح الموارد المالية مشكلة مستديمة عالمية نظرا لارتفاع تكلفة الرعاية الصحية لكنها في اعتقادي ليست المشكلة الوحيدة التي نعاني منها. للأسف أنه مع كل وزير صحة جديد نشعر بأن وزارة الصحة وزارة مستحدثة وفي طور الإنشاء. وللأسف إن الأولويات تختلف ومن ثم قنوات الصرف تختلف مع كل تشكيل وزاري جديد. فما يراه وزير اليوم مهما يراه آخر ليس ضروريا لذا فإنه ينتابنا شعور بأن وزارة الصحة ما زالت في طور الإعداد فضلا عن أن تصل إلى مستوى تقديم الخدمة المتوقعة منها. لذا فإننا نتساءل: ماذا عمل الوزراء السابقون لوزارة الصحة؟ وهل الاستراتيجية التي يتبناها الوزير امتداد لاستراتيجية سابقة؟
لا شك أن التأمين الصحي ستكون له انعكاسات إيجابية وسلبية على الخدمات الصحية. فتطبيق التأمين الصحي يمس الرفاهية التي توفرها الدولة لمواطنيها إيجابا أو سلبا. لذا فإني أرى أن تتم مناقشة التأمين الصحي من ضمن المواضيع التي يتحفنا بها القائمون على مركز الملك عبدا لعزيز للحوار الوطني. فمركز الحوار الوطني هدية غالية وثمينة من رجل الإنسانية والحوار الأول عبد الله بن عبد العزيز. فحيادية المركز حققت له النجاح تلو النجاح. فمثلا نجح المركز في تبني قضية التعليم ودراسة إبعاد المشكلة التي نعاني منها وبشكل حيادي مما جعل التوصيات تخرج وفق تعددية في الأفكار فالكل شارك في الحوار من متلق للتعليم ومن متخصص في التعليم ومن مشارك في وضع السياسة التعليمية وغيرهم. كما أن التوصيات غلبت عليها الحيادية وتميزت ببعدها عن النظرة الآنية أو القاصرة أو المحدودة فضلا عن النظرة النفعية. وفي ظني لو تم تبني الحوار حول التعليم من قبل وزارة التربية والتعليم لما استطاعت الوزارة أن تخرج بشمولية وعمق التوصيات التي خرجت من رحم المركز نفسها.
فالصحة والتعليم من القطاعات الخدمية الأكثر إلحاحا وملامسه لاحتياج المواطن، كما أن الصحة من الخدمات التي نعاني من سوء مخرجاتها منذ فترة طويلة. فهناك قضايا صحية متعددة تحتاج إلى بناء رؤية شمولية بدلا من إحساسنا مع كل وزير جديد أنه سيبدأ من نقطة الصفر في بناء الخدمات. فعبر المركز يمكن تبني استراتيجية شمولية لكيفية النهوض بالخدمات الصحية تكون ملزمة التطبيق لكل وزير صحة بدلا من أن تختلف الاستراتيجية الصحية مع كل وزير صحة.
ومثلا هناك قضايا حيوية تهم المواطن بشكل مباشر كتخصيص الخدمات الصحية والتأمين الصحي ومدى تقبل صيغة التأمين الصحي شرعيا و عمليا، وهل الصيغة المطروحة هي الأفضل لمجتمعنا السعودي؟ وهل الأسس التي بنيت عليها صيغة الضمان الصحي مناسبة لوضعنا الاجتماعي؟ وكيف يتم تأمين السعوديين العاملين في القطاع الخاص؟ وانعكاس العولمة على التأمين الصحي وغيرها من القضايا التي ظل مجلس الضمان الصحي عاجزا عن مناقشتها.
ومن حقنا كأفراد التأكد من أن الصيغة المقرة من قبل مجلس الضمان الصحي لا تصب في مصلحة فئة دون أخرى بل إن المريض هو المحور الذي يدور حوله النظام الصحي.
لا شك أنه أقيمت العديد من المؤتمرات والندوات حول التأمين الصحي لكن المشكلة تكمن في أن جزءا كبيرا من التوصيات معد سلفا من قبل منظمي المؤتمر قبل بدايته. فغالبا ما يكون دور المؤتمر وسيلة لتمرر العديد من القرارات المعدة سلفا حول قضية من القضايا. فمثلا تمت أقامة مؤتمرين دوليين لمناقشة التأمين الصحي. المؤتمر الأول كان بعنوان "المؤتمر الدولي الأول لاقتصاديات الصحة والوقف الصحي" والذي أقيم بين الثاني عشر إلى الرابع عشر من شهر أيلول (سبتمبر) 2005. على الرغم من أن المؤتمر أعطي مسمى الدولي إلا أنه لم يتم الإفصاح عن جميع أعضاء الجنة العلمية بل أكتفي بالإشارة باسم رئيس الجنة العلمية. وقد كان جليا أن الرسالة التي يحاول القائمون على المؤتمر التسويق لها المؤسسة الخيرية للرعاية الصحية. فلم تتم خلال المؤتمر مناقشة جميع متعلقات التأمين الصحي بشكل موضوعي فقد كان الخطاب موجها نحو تبني هذه المؤسسة الصحية لتتحقق.
كما أقيم مؤتمر دولي ثان ولكن تحت إدارة و إشراف وزارة الصحة وكان المؤتمر يهدف إلى تسويق ولتشجيع شركات التأمين من أجل استيفاء الشروط من أجل زيادة قائمة شركات التأمين المؤهلة من قبل مجلس الضمان الصحي.
لذا فإنني أرى ضرورة الإعداد لحوار وطني يدار من قبل مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بحيث يدعى إليه كل المختصين في التأمين الصحي وغيرهم سواء شاركونا الرأي أم اختلفوا معنا. كما يجب التأكد من حيادية الطرح وجعل المريض هو المحور الذي يدور حوله تبني جميع التوصيات.
لذا فإن الحاجة إلى مؤتمر وطني يدار من قبل جهة محايدة كمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني ضرورة يملها الواقع الصحي حيث إن تطبيق التأمين الصحي ستكون له انعكاسات جوهرية على طريقة تقديم الخدمات الصحية مستقبلا. فالعود من أول ركزه كما قيل، فهل الركيزة التي سيبنى عليها تطبيق التأمين الصحي ركيزة صلبة أم هشة؟
الحوار الوطني للتأمين الصحي هو الأرض الصلبة التي يجب أن ينطلق منها تطبيق التأمين الصحي بالصورة التي تعكس تطلعات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز من حرص متناه على تذليل كل الصعوبات من أجل تحقيق رفاهية المواطن. فهل يتحفنا القائمون على المركز بتبني موضوع التأمين الصحي والخدمات الصحية كمحور للنقاش خلال الفترة القريبة المقبلة؟
أرجو ذلك.