رأس المال الاجتماعي ودورة في حماية أسواق المال الخليجية واقتصادياتها (2 من 2)
حاولنا في الأسبوع الماضي (العدد 4888 بتاريخ 28/2/2007م) إعطاء لمحة لطبيعة مشكلاتنا الاقتصادية وظروف المرحلة وبروز العامل الاجتماعي كضاغط على الجانب الاقتصادي الخليجي وبالذات بعد تجربة التراجع الحاد في الأسواق المالية طيلة عام 2006م. والكيفية التي يتم التعاطي معها من قبل بعض الجهات بشكل تقليدي جداً، فيما أن بعض الأمم أصبحت تنظر للمشكلات والجوانب الاقتصادية الكلية بشكل علمي يأخذ في الاعتبار العديد من التطورات والتغيرات والنظريات الحديثة ذات الأبعاد الاجتماعية والإنسانية بما في ذلك الجوانب البيئية. وتحدثنا من خلال المقال عن طريقة معالجة قضايا محددة أو قضايا ذات طبيعة عامة واجتماعية. ولن أستطيع في مقالة التحدث عن رأس المال الاجتماعي وأهميته وكذلك الدور المأمول أو المطلوب تفعليه بشكل علمي ومنهجي، وإلا فإن البديل هو ضغط اجتماعي شعبي دون قيادة وبالتالي يصبح معوقا لتطور الخليج كما هو حاصل في بعض الدول العربية الأخرى نتيجة التأخر في التعاطي مع هذا الدور وعدم "مأسسته" بشكل سليم منذ البداية، بل تم تدمير الكيانات الهشة التي كانت موجودة نتيجة خلل في الأنظمة السياسية. وكل يوم يمر دون تدخل فإن الدور الاجتماعي يتشكل على غير هدى وبشكل عشوائي يصبح مع مرور الوقت طفرات جينية وحجر عثرة بدلا من كونه عامل استقرار ونماء. وقد أنهينا مقال الأسبوع الماضي بسؤال سنحاول الإجابة عليه في هذا المقال، ويمكن السؤال عن مدى قدرة المجتمع بجميع مكوناته على توفير الأمن الاستثماري بعدالة وحرية كاملة
ولا يمكن أيضا في مقالة استعراض النظريات التي كتُبت وما تزال تُكتب في رأس المال الاجتماعي ودوره في حماية أسواق المال والاقتصاديات بشكل عام. ويكفي أن أشير هنا إلى أن البنك الدولي وبعض الدول ذات المبادرات الإنسانية وخاصة الدول الإسكندنافية أصبحت فعليا تعتبر رأس المال الاجتماعي من ضمن مكونات الناتج المحلي لتلك الدول، بعد أن انتهوا من رأس المال البشري وأصبحت تلك الدول تصنف من ضمن مكونات الناتج المحلي رأس المال البشري، إضافة إلى مكونات رأس المال الأخرى وهي رأس المال المادي ورأس المال الطبيعي والمقصود به الموارد الطبيعية للدول. الجدير ذكره هنا وللتدليل على أهمية رأس المال البشري والاجتماعي فإن الدول الأكثر دخلا على مستوى العالم وحسب دراسات كاملة ومتوافرة من البنك الدولي في هذا الشأن أوضحت أن رأس المال البشري (الموارد البشرية) تشكل في هذه الدول ما يزيد على 67 في المائة من تركيبة الدخل المحلي لتلك الدول (الأكثر دخلاً) وذلك في دراسة عن تركيبة الثروة العالمية حسب فئات الدخل كنسبة مئوية من الإجمالي, بمعنى أن الموارد البشرية وليست الطبيعية تشكل 67 في المائة من مكونات دخل الأمم الأكثر دخلاً عالمياً. أما الأمم النامية فيشكل رأس المال البشري فيها ما نسبته 56 في المائة وهي تأتي في المرتبة الثانية في مستوى دخل الفرد. أما الأمم التي تعتمد أكثر على الثروات الطبيعية مثل النفط ودول الخليج كمثال صارخ فيشكل رأس المال البشري أقل من 36 في المائة. وبالتالي نجدها دائما في آخر قائمة الدول الأكثر دخلا مقارنة بدول لا تملك موارد طبيعة مثل النقط ولكن دخلها الوطني يفوق دول الخليج مجتمعة ونصيب الفرد من الناتج الوطني يزيد بثلاثة إلى أربعة أضعاف على متوسط الدخل للفرد في الخليج، ويمكن ذكر سنغافورة وإسبانيا كمثال على ذلك. وذلك بسبب خضوع (الثروات الطبيعة) لعوامل العرض والطلب والتوجهات السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية. ويكفي أن نعلم أن برميل النفط الخام يباع في بعض الأحيان بأقل من سعر وجبة في أحد المطاعم السريعة لتلك الدول.
وبالتالي فإن عناصر قيادة دفة الاقتصاد ـ وكما قلت ـ لم تعد تلك العناصر التقليدية التي تعودت عليها الدول، من وزارات وهيئات حكومية وبنوك مركزية، بل أصبحت الآن تتمثل في عناصر محددة، لكل عنصر منها أطر وأدوار واضحة من خلالها تتم إدارة دفة الاقتصاد عبر أوركسترا متناغمة وليست متصارعة! ويكفي أن نعلم أن بعض الدول الآن باعت حتى بورصات الأسهم التي تملكها تلك الدول لشركات أجنبية وأصبحت مملوكة بالكامل لشركات عابرة للقرارات ومع ذلك لا تزال هذه الدول غير قلقة على سيادتها أو كيانها لأن لديها العناصر الحديثة القادرة على حفظ حقوق مواطنيها ومستقبلهم. وعلى رأس تلك العناصر رأس المال الاجتماعي الذي يعنى باختصار رغم وجود تعريفات كثيرة عنه وطرق قياس لم يتفق عليها بعد عالمياً، إلا أنه يمثل القاعدة الأساسية والحضارية اللازمة لقيام المجتمع بواجباته. وحسب دراسة للدكتور إسماعيل سراج الدين الذي كان يشغل منصب نائب رئيس البنك الدولي فإن ذلك يعنى " أنه من المستحيل تصور وجود نظام اجتماعي يقوم بوظيفته كما يجب دون وجود حد معين من القبول العام لأشكال نظام الإدارة وسلطتها والتعبير الحضاري والسلوك الاجتماعي التي تجعل من المجتمع شيئا أكثر من مجرد حاصل جمع الأفراد"، فهل يعي المسؤولون ضرورة وجود الرابط بين ما ينون فعله والدور المطلوب منهم وحدود مسؤولياتهم والمجتمع والذي يعملون من أجله؟ إذا علينا بعد أن أوجدنا بعض الهياكل الإدارية لمؤسسات المجتمع المدني التي تشكل عصب رأس المال الاجتماعي وهي موجودة بالفعل كهياكل إدارية سواء بشكل مباشر من قبل الدولة أو من خلال بعض الجهات الخاصة والجامعات مثل الجمعيات المهنية أو اللجان التجارية وغيرها. أقول بعد أن أوجدنا تلك الهياكل، يبقى التحدي الذي يجب التعاطي معه وبشكل سريع هو العمل منذ "الأمس وليس اليوم" على تفعيل دورها بشكل رئيس في قيادة المجتمع إلى تحقيق الأهداف بشكل علمي ومنهجي بدلا من ترك الأفراد دون مجموع ودون فائدة اجتماعية تستطيع أن تكون إحدى الأدوات المهمة في تطوير وإصلاح الكثير من جوانب القصور سواء في الشأن الاقتصادي المباشر كأسواق المال أو في الشؤون الأخرى التي في النهاية ستساعد على مساعدة الأفراد في تحقيق أهدافهم الاقتصادية وحماية الأمن الاقتصادي والاستثماري للمملكة ودول الخليج عموماً داخليا وخارجيا. فبيئات العمل أصبحت تحت المجهر ووجود خلل ما في جوانب معينة قد يؤثر في سمعة البلد وعلى طموحات المسؤوليات في تحقيق الإنجازات. كما أن تفعيل الدور الاجتماعي سيقلل من الضغط على الأنظمة السياسية التي تجد نفسها أمام الجمهور بشكل مباشر مسؤولة عن أحدث لا يفترض أنها مسؤولة بأي شكل من الأشكال، ويكفي الإشارة إلى أن وسائل التدخل التي صاحبت أزمة أسواق المال في دول الخليج وبالذات في المملكة والإمارات من قبل الحكومات في سبيل معالجة الأزمة من خلال "أسلوب التجربة والخطأ" كمثال، رغم أنها نتيجة معطيات اقتصادية كان يمكن تحليلها والعمل على توفير التشريعات المناسبة منذ اليوم الأول لو كانت هناك قراءة جيدة حيث لم تكن الأزمة نتيجة ظروف أو معطيات سياسية!