رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل يمكن أن يأتي إصلاح من ليبيا؟

[email protected]

تحدثت الأخبار عن خطاب لرئيس وزراء ليبيا ذكر فيه توجه الحكومة إلى التخلص من 400 ألف موظف حكومي، أي نحو 40 في المائة من موظفي القطاع العام، مما يوفر نحو ثلاثة مليارات دولار في السنة على الميزانية العامة في محاولة نوعية لإصلاح القطاع العام. إذا تم ذلك فإنه سيكون خطوة جبارة في بلاد من أقل الدول المنتجة للنفط استفادة من ثروتها, سواء على مستوى الدخل الفردي أو البنية الأساسية أو الصناعات البتروكيماوية، عدا أن في ليبيا لنا أخوة، هناك عامل اقتصادات الدول النفطية وتشابه الاعتماد على النفط والتشابه الجغرافي وإلى حد أقل السكاني، مما يجعل التجربة الليبية مهمة إذا صدقت.
هذه الخطوة الجبارة إذا ما نفذت بجدية واتزان سوف تحدث نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي ودور المواطن في بناء بلاده في تحويل دوره من متلقي إعانة حكومية تحت اسم وظيفي باهت وغير ذي دور تحت حماية دخل الحكومة من النفط إلى إنسان منتج ومسؤول عن نفسه وبلاده، بدلا من أن تكون البطالة نحو 15 في المائة وأغلب الأعمال تقوم بها عمالة أجنبية، تقدر الميزانية الليبية لعام 2007 بنحو 25 مليار دولار، أي أن (تكاليف) هؤلاء الـ 400 ألف موظف تبلغ نحو ثلاثة مليارات دولار ـ أي نحو 15 في المائة من الميزانية العامة للحكومة. يزعم رئيس الوزراء أن الحكومة سوف تدفع رواتب هؤلاء لمدة ثلاث سنوات مقبلة لكي يتمكنوا من التكيف (تعليم وتدريب) مع متطلبات القطاع الخاص، كما أن الحكومة وعدت بقروض ميسرة لمن يرغب في تأسيس أعمال خاصة صغيرة، تجد هناك عدة فوائد ستعود على الاقتصاد الليبي من خطوة كهذه في المديين المتوسط والبعيد، الفائدة الأولى في توافر المال اللازم للاستثمار في البنية التحتية (مادية وبشرية). الفائدة الثانية، في إيجاد مجتمع اقتصادي أكثر إنتاجية والحد من الاعتماد على العيش عالة على الاقتصاد. الفائدة الأخرى، هي إيجاد أعمال لهؤلاء في القطاع الخاص (لمنافسة) غير الليبيين (إذا صاحبها عمل جاد في أجهزة الاستقدام لكي يتمكن الليبي من منافسة غيره في السوق الليبية).
لعل هذه المساءل مألوفة للقارئ في كل الدول النفطية، ولكنه سؤال صعب محير أن تطلب من دول ونخب وأفراد أن يتفهموا الحاجة إلى إصلاح جذري من خلال تجهيز وإعداد الناس لتقليل الاعتماد على الحكومة لكي يقلل الاعتماد على النفط تدريجيا. المراقب لكثير من الدول النفطية يجد أنها لم تبذل جهدا واضحا من خلال تخطيط سليم ونظرة مستقلة ثاقبة للتعامل مع قضايا استراتيجية اقتصادية واجتماعية قد تكون مصيرية, سوف لن يكون سهلا التعامل معها في ظل قلة مالية؛ لذلك فمن الأفضل التعامل معها في ظل وفرة مالية لكي تسهل عملية التحويل التي هي بطبعها صعبة وشاقة حتى في ظل وفرة مالية, لأنها تمس عدة نواح في صلب المجتمعات وتتعدى الحسابات المالية والقرارات الاقتصادية.
من هنا تأتي أهمية القرار الليبي حيث إنه أتى بحجم كبير (40 في المائة من الموظفين) وفي ظل وفرة مالية. ولعل ليبيا وبعد سبات عميق وبعد عن واقع اقتصاديات السوق الجديدة وفصل بين واقع المجتمع الليبي ودخل النفط الذي لم يرشد في العقود الماضية صحت إلى الأولويات المهمة أخيرا. في الكثير من الأحيان تسمع عن برامج وخطط عمل في دول العالم الثالث، وكأن هذه القيادات نزلت عليها نبوءة جديدة وإذا بها بعد فترة وجيزة تعود إلى حالها السابق، وكما يقول المثل الشعبي "عادت حليمة إلى عادتها القديمة"، يا ترى هل هذا الإعلان الليبي الذي أتى على لسان رئيس الوزراء قابل للتنفيذ؟ وهل لديه الدعم من قيادات المهمة العليا التي يعرف عنها بعض المفاجآت التي في غالبها لا تخدم الشعب الليبي؟ أم نحن أمام وضع جديد بعد تجارب مريرة في الاشتراكية الليبية التي أدت إلى تأخر الاقتصاد الليبي؟ سوف يكشف الزمان ماهية القرار الليبي ومدى جدية القيادة الليبية التي سوف يراهن الكثير حقا على أنها لن تنفذ ما تقدم إصلاحيا وعلى مدى متواصل بما يكفي لتحقيق نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي ودور الإنسان الليبي.
استراتيجيا يجب أن يكون الهدف فك الاعتماد على النفط وبالتالي المصروفات الحكومية لكي تتمكن الحكومة من التركيز على أدوارها الأساسية (التخطيط، التنفيذ، الأمن، حماية الأنظمة، البنية التحتية.. إلخ). تكتيكيا يجب أن تستخدم العوائد النفطية لإحداث نقلة تدريجية من خلال تصغير حجم الحكومة إداريا ومصروفيا، الاستثمار في التعليم، القضاء وحماية التنظيمات والتشريعات لتسهيل الاستثمار والتعامل بين الناس فرديا أو مؤسساتيا، لذلك فإن الخطوة الليبية قد تكون مهمة إذا أخذت في هذا السياق فقط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي