زيادة القول تحكي النقص في العمل
في كل مرة أزمع فيها الكتابة تتزاحم الأفكار أمام ناظري، وكل منها يحاول تحقيق قصب السبق في الفوز باهتمامي، فالاهتمام بهموم المواطن هو أهم ما يجب أن يهم الكاتب حين يدفعه الأمل بأن همومه ستتلاقى مع اهتمام المسؤول، بالهم الوطني، أما إذا لم يكن ذلك كذلك، فإن هم الكاتب يزداد وهو يتجرع خيبة الأمل..!
اليوم رأيت أن أضع الهموم جانبا وأهتم بأمر آخر ذي علاقة بالهموم كلها، وهو كثرة الكلام، وما يحمله لصاحبه من انتقاص في عيون الناس ولا سيما إذا كان المتكلم ممن يحسب عليه كلامه، أو مسؤولا لا يمل الظهور في وسائل الإعلام، ولا يفتأ يتحدث عن نفسه، والأعمال التي ينوي القيام بها، وليس التي قام بها، (أنه لا يوجد شيء يتحدث عنه)، وعندما يأتي زمن الكلام، عندما تطرح هموم المواطن، التي هي من صميم عمله، ويعد مسؤولا عنها، تراه لا يحير جوابا، أي أنه يلوذ بالصمت في زمن الكلام، ويمتطي لسانه في زمن الصمت، فتتطابق حاله مع حال من عناه الشاعر ابن أبي بكر المقري بهذين البيتين اللذين اتخذت من شطر أحدهما عنوانا:
زيادة القول تحكي النقص في العمل ومنطق المرء قد يهديه بالزلل
إن اللسان صغير جرمه وله جرم كبير كما قد قيل في المثل
أوما يعنيه (كسرى) بهذا البيت:
لم أندم على ما لم أقل وندمت على ما قلت مرارا
أو بهذا المثل، له أيضا (إذا تم الفعل نقص الكلام).
أو كما قال أبو بكر الرازي: (الصمت حكم وقليل فاعله)!
على أن فضل الصمت على الكلام، وعفة اللسان عما يدين، وعما لا يمكن الوفاء به، يعد من أرقى مراتب الأخلاق وأشرفها، أو كما قال علي الرضا:
لسانك أحفظه وحسّن نطقه واحذر على نفسك من عثرته
فالصمت زين ووقار وقد يُؤتى على الإنسان من لفظته
من أطلق القول بلا مهلة لا شك أن يعثر في عجلته
من لزم الصمت نجا سالما لا يندم المرء على سكتته
وقد قيل في الحكم (إن من تكلم فأحسن، قدر أن يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن يتكلم فيحسن).! وتروى هذه الحكمة عن ابن مسعود: (من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبخ نفسه). وأما أفضل تعبير عن فضل السكوت على الكلام فهو الحكمة الشهيرة التي نرددها ليل نهار وقليل منا من يستمع إليها، أو يعتبر بها: (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب).!
أتذكر هذا وغيره وأنا أقلب الصحف اليومية التي تزدحم صفحاتها بالأحاديث والتصريحات والمقابلات من معظم المسؤولين، حول ما يفكرون في القيام به، وما ينوون عمله، وانتظر أن أجد صفحة خالية من هذا الزخم الهائل من الكلام، فلا أجد، ثم أحاول إجراء مقارنة سريعة بين ذلك وبين ما يتم فعلا من أعمال، وما ينفذ من مشاريع، وما يؤدى من خدمات، فلا يقع نظري إلا على القليل..! ولو سألت شريحة من المجتمع عن أكثر المسؤولين حديثا، وأقلهم عملا، لما ترددوا في معرفة ذلك، بل إن هناك علاقة دائمة بين كثرة الأقوال وقلة الأفعال.
أعجبتني مرة إحدى الصحف المحلية حين رصدت مجموعة من الوعود والبيانات في سنة ما، حول المشاريع التي تزمع الجهات الحكومية تنفيذها، وقارنت بين ما قيل وما نفذ بالفعل فيما بعد، ولم تخرج إلا بأقل من القليل، فليت إن صحفنا كلها تستفيد من أرشيفاتها في مثل هذا الرصد، بحيث تعود في كل سنة إلى تلك الأرشيفات وتستقي منها قوائم بالأعمال والمشاريع التي جرى الحديث عنها، ومقارنتها بما تم تنفيذه فعلا؟! إن ذلك سيكون أفضل ما يسجل للصحف، ويوظف رسالتها في المتابعة والرقابة، وخدمة المجتمع..!
على أن فضل السكوت على الكلام ليس مقتصرا على المحافل الرسمية ودواوين الحكومة، وإن كانت أحرى به، لأن العصر الذي نمر فيه، والظروف التي نعيشها تحتاج إلى الفعل أكثر من القول، وإلى العمل أكثر من الخطل، فلم يعد، مع توافر الأموال والاعتمادات، هناك مجال للحديث والتعليل؟ ومبررا للتلكؤ والتأجيل.!
وأما فضل السكوت على الكلام في كل مناحي الحياة، فأمر محمود وفضله مشهود!
يقول صالح بن عبد الحي:
واحفظ لسانك واحترس من لفظه فالمرء يسلم باللسان ويعطب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ثرثارة في كل واد يخطب
كما يقول:
وزن الكلام إذا نطقت فإنما يُبدي عقول ذوي العقول المنطق
ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم من يستشار وإذا استشير فيطرق
حتى يحل بكل واد قلبه فيرى ويعرف ما يقول فينطق
ويقول زهير بن أبي سلمى:
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
أما صفي الدين الحلي، فينسب له هذان البيتان من الحكمة:
اسمع مخاطبة الجليس ولاتكن عجلا بنطقك قبل ما تتكلم
لم تعط أذنيك نطقا واحدا إلا لتسمع ضعف ما تتكلم
كما يقول:
وبالعدل فانطق وإن نطقت ولا تجر وذا الذم فاذممه وذا الحمد فاحمد
أما حسام الدين الواعظي فيقول
ولازم الصمت لا تنطق بفاحشة وأكرم الجار لا تهتك له حرما
وأخيرا، ما أحوجنا إلى الصمت أكثر من الكلام، وإلى الفعل أكثر من القول، وما أحوج الكثيرين إلى التحلّي بهذه الحكم والأقوال، والتركيز على الأفعال، ومنهم المسؤولون والساسة، وساكنو القنوات الفضائية، ومعتلو منابر الصحف المحلية، ومتعهدو تحليلات السوق المالية.
والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو من وراء القصد.