طوارق
بإمكانك أن تقرأ رواية "طوارق" التي ترجمها ببراعة الدكتور عبدو زغبور من أولها أو من وسطها أو من آخرها.. من أي صفحة شئت، سوف تجد نفسك ـ إذا مضيت قليلا في القراءة ـ مع بدو الجزيرة وعربانها، ربما ليس الآن، لكن فيما سمعته أو قرأته من حكايات وقصص يشيب لها الولدان أو تصعد فيها الهامة نشوة لعنان السماء.
تكاد تكون الرواية "أوديسة" صحراوية لأن بطلها الطارقي الأسطوري غزال صياح "الأموهاغ" و"الصياد" و"الأنموشار" آوى رجلين أحدهما الشيخ عبد الكبير والآخر فتى، ثم جاء ضابط وجنود الحكومة إلى خيمته، قُتل الفتى وأُخذ الشيخ عبد الكبير أسيرا وللأخذ بثأرهما، ركب غزال مغامرة مجنونة طاف خلالها فلوات جرداء دونها فلوات أجرد منها، اقتص فيها بالمبارزة بالسيف من مبارك بن سعيد الذي دل القائد العسكري إلى مضاربه، كما قتل الضابط القائد غالب الفاسي في موقعة "عدوراس" وتعقدت الحكاية في سلسلة من القتل منها الحراس والجنود واحدا تلو الآخر حتى يصل إلى السجن حيث عبد الكبير فيقتل القائمين على السجن ويختطفه عابرا به بيداء الملح والرعب والخواء والعطش والخوف والموت والتيه والرمال الحارقة حتى يضعه على أطراف بلد مجاور يلقى الترحيب فيه ومنه يرحل إلى فرنسا، بيد أن غزال صياح الطارقي النهم للوفاء بحفظ العهد والجيرة يكتشف خلال عودته أنهم أخذوا زوجته وابنيه رهينة للمقايضة بعبد الكريم، وحين يسأل عمن فعل ذلك يقال له إنه وزير الداخلية علي ماني، لذلك يخوض غمار تحديات في رحلة للعاصمة بالحافلة ثم القطار يتزود خلالها بالسلاح والذخيرة، وحين يتعرف على مقر عمل الوزير يطلب من شرطي المرور إبلاغ الوزير بإحضار أسرته للشارع وإلا فإنه سوف يقتل الرئيس، لكن ذلك لم يتم، وينجح غزال في حشر نفسه مع المحتشدين على جانبي الطريق للهتاف للرئيس، وعندما مر بالقرب منه أطلق النار عليه.. غير أن غزال لم يكن يعرف، قبل أن يطلق عليه الجنود النار، أنه إنما قتل ضيفه السابق الشيخ عبد الكبير العائد من فرنسا في يوم النصر المجيد لاستلام السلطة. ولم يشهد بنفسه تحقق تكهنات العجوز كلثوم: "ستموت بعيدا عن عالمك".
هذا الاختصار للرواية يخفي خلفه صراعا ملحميا لتمزقات إنسان يرزح تحت نير التقاليد والأعراف والقوانين الشفهية الآتية من كثافة تاريخ الصحراء مقابل زمن ناهض قد بدأ في التخفف من صولة وجولة تلك القوانين والأعراف.. غزال صياح وعالمه مجرد صور عكرة من ملامح أجداده أبطالا وضحايا... أولئك كانوا متطابقين مع مأساتهم. أما غزال صياح فكان متنافرا مع هذه المأساة.. لا بسببه فحسب، وإنما بسبب سنة التطور وتغير الظروف، فمن أجل الثأر للفتى القتيل وفك أسار الشيخ عبد الكبير طاعن غزال صياح جحافل المجهول: طحن روحه وطحن معها مستقبل زوجته وابنيه وطحن ستة عشر رجلا وآخرين من رجال الحكومة وتوج هذا الطحن بمأساة فاجعة علقها فزاعة سخرية مريرة من مصيره النكد على مفارق الأزمنة هي جثة ضيفه الشيخ عبد الكبير الذي من أجله عبر أرض الخواء "تيك دابرا" وشاهد مومياءات القافلة العظمى هناك متحجرين في عراء الرمضاء والصقيع صفا طويلا من ألفي بعير وسبعمائة رجل أصابعهم الجرداء تشير إلى الطريق وأفواههم مفتوحة على آخر زفرة للروح والذي من أجله أيضا أزهقت الأرواح وأشرف على الهلاك مرارا وشرب دم البعير المذبوح ورضع ماء معدته الحامض النتن ومضغ وبلع "ودك" سنامه!!
لم أر في "طوارق" إلا فرصة إبداعية ضائعة كان بالإمكان أن تكون بقلم أحد روائيينا لكنها كانت من حظ كاتبها الإسباني "ألبرتو باثكث فيكيروا.. فقد قادنا في هول أرض الخواء والصحاري الملحية وجحيم الشمس تعكسها ملايين المرايا المتوهجة التي تفجر مقل العيون وقيظ الهاجرة القانط الذي يجعل الدم يغلي في العروق والصقيع الحاد والطيور التي تحلق بعيدا عاليا بمئات الأمتار محاذرة المرور فيها، والصمت الرهيب في هذا القفر اللا نهائي الذي يبعث على الهذيان والجنون والظمأ المريع حين لا يكون أمامك من مفر سوى أن تعيش كحجر، لأن أي حركة قد تكلفك قطرة ماء فيك لا سبيل لتعويضها، كذلك أوقفنا على خصال الطوارق في الضيافة والسهر حول الصلاء والمساواة العاطفية بين الرجال والنساء ووشوشاتهم الجنسية المتناثرة في ظلام الليل على الكثبان، بيد أن ثقافة الربع الخالي وصحاري النفود والدهناء والحجاز وغيرها ما زالت عصية على الحضور، لم يجازف كاتب بعد في إنطاقها عدا نهايات "عبد الرحمن منيف" ومقاربات بسيطة هنا وهناك، وعدا طبعا مدونات حكاياتنا الشعبية، كما في كتاب الأستاذ الراحل فهد المارك "من شيم العرب" و"أبطال من الصحراء" للأستاذ السديري، وأمثالهما.
"طوارق"، كما قلت، أوديسا صحراوية فيها ملامح عبس وذبيان، داحس والغبراء، البسوس، وفيها ملامح أهلنا في صحراء اليوم الممزقين بين سيف الحضارة والبداوة، التمزق الذي هو قمة "الدراما" لمن شاء أن يكتب "طوارق" جديدة بحد السكين.