الدولار يهبط.. وأمريكا تغادر منصب الدولة الأعظم!!
إذا كان بول كندي يقول في كتابه المشهور (سقوط الدول العظمى): إن الدول العظمى تسقط لأسباب اقتصادية قبل السقوط لأسباب عسكرية، فإنه يمكننا القول إ الهزيمة العسكرية للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان تبدو بسيطة إذا قورنت بكارثة زيادة العجز وانخفاض سعر الدولار في الأسواق العالمية، ثم محاولة الدول التي تربط عملاتها بالدولار البحث عن صيغة ملائمة لفك الارتباط مع الدولار.
وفي الشهر الماضي أطلق رئيس البنك المركزي في الإمارات المتحدة تصريحا مدويا في الأوساط المصرفية والاقتصادية قال فيه إن محافظي البنوك المركزية في دول الخليج سيناقشون في اجتماع قريب إمكانية فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي بسبب الانخفاضات الهائلة التي يتعرض لها الدولار والتي سجلت خسارات مؤلمة للاقتصادات الخليجية، ويومها أحدث هذا التصريح تأثيرا سلبيا على في الدولار في الأسواق العالمية مما حدا ببعض وزراء المالية والاقتصاد في دول الخليج لإطلاق تصريحات عاجلة تؤكد أن دولها لا تفكر في إلغاء ارتباط عملات بلادها مع الدولار.
وكان لهذه التصريحات وقع جيد على العملة الدولارية المترنحة في السوق العالمي حيث أعادت إلى الدولار شيئا من الاستقرار، وطبعا كان هذا الموقف مطلوبا من هؤلاء الوزراء لأن استمرار هبوط سعر الدولار سيؤدي إلى خسائر كبيرة لأسعار عملاتها ويلحق أضرارا بالغة باقتصادياتها.
لقد أعلن المجتمعون في مؤتمر دافوس 2007 الذي عقد في الشهر الماضي عن إعادة توزيع القوة بعد أن وضح أمام المجتمعين أن منابع القوة الاقتصادية لدى الولايات المتحدة بدأت في الجفاف لتنتقل بين أوروبا من جهة ومجموعة من الدول التي تجاوزت الأسواق الناشئة وبدأت في تأسيس نفسها لاعبة رئيسية على ساحة الاقتصاد العالمي، ويأتي في مقدمة هذه الدول: الصين، البرازيل، والهند، بل إن مؤتمر دافوس اعترف بحالة الذعر التي تسيطر على دوائر المال والأعمال التقليدية نتيجة انتقال القوة من المنتج إلى المستهلك بفضل ثورة التوزيع الديجتال عن طريق الإنترنت.
ولا شك أن الدولار في موقف لا يحسد عليه بسبب نزيف الحرب التي تورطت فيها الولايات المتحدة سواء في العراق أو أفغانستان والتي لهفت أموالا طائلة دون تحقيق أي مكاسب تذكر، بل إن الحرب تتجه إلى مزيد من نزيف الخزانة الأمريكية ومزيد من الهزيمة التي ستؤثر سلبا في الاقتصاد الأمريكي، بمعنى أن الولايات المتحدة خسرت أموالها وخسرت رجالها، وستخسر المزيد إذا استمرت في العراق وأفغانستان، والنتيجة الطبيعية لهذه الخسارة هي خسارة مؤلمة للاقتصاد الأمريكي وللعملة الدولارية.
من ناحية أخرى فإن الخلافات الساخنة بين إيران والولايات المتحدة سواء على الملف النووي أو على زيادة نفوذ إيران في العراق ولبنان ودعمها للمقاومة ضد الاحتلال الأمريكي والتي توجتها إيران بتسوية كل معاملاتها باليورو بدلا من الدولار ما يعني ضمنا تسعير نفطها باليورو بدلا من الدولار وسيتبعه تحويل احتياطياتها الموجودة لدى البنك المركزي والأوعية المستثمرة فيها من الدولار إلى اليورو، بمعنى سيحل اليورو تدريجيا محل الدولار في كل التعاملات المتعلقة بالنقد الأجنبي داخل إيران، وبذلك تخرج إيران من منطقة الدولار إلى منطقة اليورو، حينما تسوي جميع التزاماتها باليورو.
وهكذا فإن خروج إيران من دائرة العملة الأمريكية لن يكون في صالح العملة الأمريكية، بل بالعكس سيكون في صالح العملة الأوروبية.
وإذا كان البعض يقول إن تحول إيران من الدولار إلى اليورو لن يؤثر في العملة الأمريكية ولا يؤثر في الاقتصاد الأمريكي، فإن هذا غير صحيح فالناتج القومي الإيراني الذي بلغ أكثر من 545 مليار دولار في عام 2005 واحتياطياتها الحرة التي تزيد على 30 مليار دولار، بالإضافة إلى مظاهر العجز الذي بدأ يتفاقم في اقتصاديات الولايات المتحدة حاليا.. سيجعل للتحول الإيراني من الدولار إلى اليورو وقعا مؤلما على الدولار الأمريكي، يضاف إلى ذلك فإن القرار الإيراني سيشجع العديد من الدول في المستقبل القريب ومنها – كما أوضحنا – بعض دول الخليج إلى اتخاذ خطوة مماثلة باتجاه فك الارتباط مع الدولار، إذ إن الخسائر التي لحقت بالعملات الخليجية في السنوات الخمس الأخيرة نتيجة انخفاض أسعار صرف الدولار تجاوزت مليارات المليارات من الدولارات ما جعل بعض دول الخليج تفكر جديا في حلحلة الارتباط مع الدولار الذي أصبح بقاؤه عبئا ثقيلا على اقتصادات هذه الدول.
ونتصور أن القوى الاقتصادية العملاقة مثل: أوروبا، واليابان والقوى الصاعدة بقوة في آسيا وعلى رأسها الصين والهند ستعمل بقوة على إعادة تشكيل صورة الاقتصاد العالمي وأوضاع العملات الرئيسية فيه. وهو أمر لن يكون في مصلحة الدولار والاقتصاد الأمريكي خاصة لو قامت دول ثرية أخرى بخطوة مماثلة للخطوة التي قامت بها إيران.
والخلاصة أن الهيمنة الدولية للدولار باتت تقترب رويداً رويداً من نهايتها وبالذات بعد تقدم اليورو بنجاح، وبعد بدء العديد من البلدان في التحول إلى عملات حرة إقليمية في تسوية مدفوعاتها الدولية، بل إن المجال أصبح مفتوحا والظروف تزداد تهيؤا أمام التصاعد المستقبلي لقوة عملات ليس لها وضع دولي يذكر في الوقت الراهن مثل العملة الصينية التي يقف وراءها اقتصاد عملاق ينمو بمعدلات مذهلة.