رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تطوير أداء الأجهزة المحلية من صالح القطاع الخاص..؟!

[email protected]

في ظل التوجه نحو اللامركزية وزيادة مستوى المشاركة الشعبية في عملية اتخاذ القرار وفي الوقت ذاته منح القطاع الخاص دورا أكبر في الاقتصاد الوطني تظهر أهمية وضع استراتيجية للتنمية المحلية شراكة بين القطاعين العام والخاص. فالقطاعان أكثر علاقة على المستوى المحلي منه على المستوى الوطني، فالقضايا والمواضيع المحلية تتصف بأنها أكثر تشابكا وتداخلا وتعقيدا وتغيرا. وإذا كانت الدول تسعى لجعل ميزان المدفوعات لصالحها، فالمدن كوحدات اقتصادية وسياسية لا تختلف عنها كثيرا، فهي الأخرى تجتهد نحو زيادة الدخل المحلي عبر زيادة حصة صادراتها من السلع والخدمات! ولكن كيف يكون ذلك ممكنا، وهي مدن داخل حدود الدولة الواحدة؟! هذا يحتاج إلى تفصيل. أن الاقتصاد المحلي يتكون من قطاعين رئيسيين: الأول، قطاع التصدير ويسمى أيضا القطاع الأساس وقطاع آخر هو القطاع الخدمي أو القطاع غير الأساس. ومن أجل تحسين الدخل المحلي تعمل المدن على زيادة إنتاج قطاع التصدير إذ إنه مفتاح النمو الاقتصادي المحلي والمحرك الأساس، أما القطاع الخدمي فيشمل جميع السلع والخدمات المنتجة للاستهلاك المحلي وليس لغرض التصدير. الفرق بين القطاعين أن الأول (قطاع التصدير) يجلب دخلا إضافيا (ريالات) من خارج الاقتصاد المحلي، إما ببيع المنتجات بتصديرها إلى خارج المدينة أو بتوفير المنتجات والخدمات لزوار المدينة من السياح وغيرهم الذين يقومون بعمليات الشراء وإنفاق أموالهم داخل المدينة. ولكن كيف السبيل لمعرفة نسبة ما تم إنتاجه للتصدير إلى الخارج وما تم بيعه داخل المدينة؟ هناك عدة طرق لحساب ذلك. على سبيل المثال طريقة الحصة المكانية Location Quotient بحيث يحسب عدد العاملين في قطاع معين على مستوى الدولة أو الإقليم أو العالم ومن ثم تؤخذ نسبتهم من مجموع القوى العاملة وتكون هذه النسبة تمثل عدد العاملين في قطاع الخدمات وما زاد عنها يحسب لقطاع التصدير في المدينة. وكلما زاد الطلب على السلع التصديرية أدى ذلك إلى زيادة الطلب على قطاع الخدمات المحلية وأدى بالنتيجة إلى زيادة الدخل المحلي الكلي. من هنا كان من صالح الاقتصاد المحلي زيادة التصدير لخارج المدينة لزيادة دخلها, ولتحقيق ذلك تحتاج المدن وضع استراتيجية توحد الجهود وتوجد تعاونا بين القطاعات المختلفة. وإذا كان القطاع الخاص في الغالب يمثل قطاع التصدير فإن القطاع العام يمثل قطاع الخدمات، إلا أن ذلك ليس على مطلقه. فمتى ما تم ربط المشاريع العامة بالتنمية الاقتصادية بمعنى أن هذه المشاريع تقود إلى نمو قطاع التصدير وتجلب استثمارات ونقدا من خارج الاقتصاد المحلي، تكون هذه المشاريع قد أسهمت في نمو الاقتصاد وزيادة الدخل المحلي ولا ينظر إليها أنها قطاع خدمي استهلاكي. وفي المقابل إذا ما كان توجه استثمارات القطاع الخاص نحو صناعات استهلاكية محلية فإنها لا تسهم في تنمية اقتصاد المدينة، بعكس عندما تكون عملية الإنتاج موجهة نحو التصدير. إن صياغة استراتيجية اقتصادية محلية تكون بمثابة الإطار والخريطة الاقتصادية التي تستدل بها جميع القطاعات نحو تحقيق التنمية الاقتصادية. إن أهمية دور القطاع الخاص في التنمية المحلية مرتبطة بمدى إسهامه في معالجة القضايا والموضوعات الاقتصادية والاجتماعية المحلية والتي يأتي على رأسها البطالة ومستوى الدخل والجريمة والتلوث، ولا يمكن لأي مجتمع مواجهة هذه التحديات بالاعتماد على قطاع دون الآخر.
إن النظرة المشتركة للتنمية المحلية تجعل تحسين أداء الأجهزة الحكومية المحلية محل اهتمام القطاع الخاص. إذ إن كفاءة وفاعلية الأجهزة الحكومية تؤدي إلى رفع مستوى إنتاجيتها وقدرتها التصديرية. ولذا لا نستطيع تصور نجاح القطاع الخاص وتطويره دون المشاريع العامة والأنظمة والسياسات الحكومية. ولذا فإن أي محاولة لتطوير الأجهزة المحلية يلزم أن ينطلق من مفهوم بناء القدرات المحلية وهو تطوير أداء العاملين والأنظمة المحلية من خلال استراتيجية مشتركة تربط جميع الأنشطة والموارد والاستثمارات الاقتصادية نحو تحقيق هدف التنمية المحلية الذي يعنى بتكبير الكعكة (اقتصاد المدينة) بما يحقق استفادة الجميع وخصوصا رجال الأعمال والمستثمرين. إن النجاح في مشروع تكبير الكعكة المحلية مرهون بتعاون القطاعين العام والخاص ولا يمكن تحقيق ذلك بالاعتماد على أحدهما دون الآخر. لقد مضى وقت طويل كانت العلاقة بين القطاعين منفصلة كل يعمل على شاكلته يجتمعان فقط في صفة الإنتاج الاستهلاكي الذي يؤدي إلى نمو الاقتصاد وليس تطويره نوعيا. وهكذا تضاعفت أعداد مصانع شرائح البطاط ومعجون الطماطم والمشروبات وغيرها بينما ما كان يحتاج إليه هو السلع الرأسمالية التي تؤسس لقاعدة اقتصادية صلبة قادرة على بناء قطاع التصدير وتقويته في المدن. الاقتصاديات المحلية تحتاج إلى استراتيجية تركز فيها على القطاعات الإنتاجية مولدات الدخل التي تهيئ فرصا وظيفية بدخول عالية وليس صناعات لا تعدو تجميعية تستقطب العمالة الأجنبية الرخيصة ولا تضيف قيمة للاقتصاد المحلي. إن تحديد مسار الاقتصاد المحلي نحو الاتجاه الصحيح يبدأ بالرؤية المستقبلية والمصلحة المشتركة بين القطاعين العام والخاص والاقتناع والإيمان التام أن هذه الشراكة هي منطلق التنمية الحقيقية في المجتمعات المحلية. وهي تستلزم من كلا الطرفين أن يلعب الدور المطلوب بالمستوى المطلوب حتى يتحقق التكامل المطلوب.
قد يرى البعض أن هذا يصح من الناحية النظرية، وإنه من الصعب توقع أن القطاع الخاص يرغب ويسعى ويجتهد في تطوير الأجهزة الحكومية المحلية. وهؤلاء لا يقولون ذلك جزافا وإنما من واقع الخبرة والاطلاع ويعللون ذلك أن بعضا من رجال الأعمال يرون في عجز الأجهزة العامة فرصة ثمينة لتمرير مشاريعهم واستغلال الفجوات في اللوائح والأنظمة وقصور الأداء لصالحهم. وهذا بلا شك مفسدة للاقتصاد المحلي ونظرة قاصرة من قبل بعض رجال الأعمال الذين يفتقدون الرؤية الشاملة طويلة الأمد ويسعون فقط إلى تحقيق أرباح آنية سريعة دون أن يتطلعوا إلى بناء اقتصاد محلي قوي والتأسيس لقطاع تصدير يجعل المدينة في وضع تنافسي أفضل يعظم عوائدهم ويضيف موارد مالية إلى خزانة الإدارة المحلية ما يتيح الفرصة في زيادة المشاريع العامة والإسهام في إيجاد بيئة أكثر جذبا للمستثمرين ومن ثم توسيع دائرة الفرص الاستثمارية والعوائد. وهكذا تبدأ عجلة الاقتصاد المحلي بالدوران بفضل هذا التعاون الذي يشكل القوة الدافعة للاقتصاد. إلا أن شيئا من هذا لن يحدث بسبب سيطرة المصلحة الخاصة على المصلحة العامة من قبل البعض، وهذا بلا شك فساد يجب محاربته الأمر الذي دعا الحكومة السعودية إلى إنشاء هيئة متخصصة لمحاربة الفساد والتي قد يكون من بين أهم أنشطتها الارتقاء بأداء الأجهزة المحلية لتقديم الخدمات المطلوبة بجودة عالية وفاعلية وعدالة وشفافية.
إن ما يجب عمله في هذه المرحلة المهمة من التطور السياسي (اللامركزية) والاقتصادي (الخصخصة) هو إعادة تثقيف المجتمع بكل مكوناته نحو التفكير الجماعي والرؤية المشتركة وإن نجاح المجموع يعود بالنفع والفائدة على الأفراد. هذا الأمر يستلزم جهودا تبدأ بتطوير قدرات الأجهزة المحلية الحكومية وتنمية الموارد البشرية والارتقاء بالقرارات والسياسات العامة وتحسين الأنظمة والإجراءات. هذه جميعها يفترض أن تقود إلى إيجاد بيئة تشجع الاستثمار وتحفزه وتوجد فرصا وظيفية تولد الدخل وتدعم الاقتصاد ولا تعطله أو تكون عبئا عليه. قد يكون من بين أحد أهم الأفكار والمبادرات في هذا الاتجاه والذي بلغ مراحل متقدمة ودخل حيز التنفيذ هو إنشاء "مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية" والذي يهدف إلى تدريب وتثقيف وتوثيق وتطوير إدارة المجتمعات المحلية. المركز في بدايته لكن حتما سيكون (بمشيئة الله) حلقة وصل بين القطاعات المختلفة ونقطة تلاقي جميع الأطراف في المجتمعات المحلية للتعاون في صياغة استراتيجية مشتركة ترتقي بالاقتصاد المحلي وتوجد لغة مشتركة في التنمية المحلية، وهو أمر تفتقده الكثير من المحليات في الوقت الراهن، ما يشكل عائقا نحو تحقيق أهداف المشاريع التنموية المحلية. إنها الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي تجعل الاقتصاديات المحلية تنبض بالحياة والانتعاش، بل لن يستطيع الاقتصاد المحلي التحليق عاليا بجناح واحد دون الآخر. فهل يا ترى يهتم رجال الأعمال بالمساهمة في تطوير الاقتصاد المحلي عبر تطوير الأجهزة المحلية، أم أنهم سيستمرون في اللعبة ذاتها التي تعتمد على استغلال الثغرات النظامية وسيطرة الأنانية ومفهوم الربح نسبة لخسارة الآخرين، وليس البحث عن أوضاع تكون مربحة للجميع؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي