نظام العمل والسعودة .. من أين يبدأ الحل؟ القطاع العام (3)
لست أسعى إلى تأليف رسالة في السعودة لذلك سيكون هذا المقال هو الجزء الأخير في هذه السلسلة. والحقيقة إن موضوع السعودة قضية اجتماعية واقتصادية كبيرة جدا، وما زلنا غير قادرين على وضع هذه المشكلة في إطارها وحجمها الصحيحين. لن ينفعنا التبسيط والتسطيح, خاصة مع هبوب ريح العولمة التي جعلت رأس المال أكثر حرية, وفي الوقت نفسه أكثر جبنا, وستعبث بأي قرارات تسير عكس اتجاهها، لذلك يجب ألا ننجرف وراء العواطف, فالاقتصاد لا يعرف لها قيمة.
كنت أعتقد وما زلت أنني لن أضيف الكثير في هذا الموضوع, فما كتب فيه من مقالات وأبحاث أكثر من أن يحصر ويكفي ويزيد لإعداد مؤلفات جديرة بالاحترام. ومع ذلك بقيت نقطة مهمة جدا, فهل لبيئة العمل في القطاع العام دور في تفاقم هذه المشكلة أو أنها أحد الأسباب الرئيسية؟
للإجابة عن هذا التساؤل سأحيل القارئ الكريم إلى رسالة وردت إليّ من أحد القراء الأعزاء وقد حمّلني أمانة الكلمة لذلك سأنقلها كما هي بلا تصريف: " قبل فترة أصدر عندنا قسم الموارد البشرية قرارا بزيادة ساعات العمل حسب الحد الأقصى المسموح به في نظام العمل والعمال السعودي. كنا نعمل يوميا من الساعة الثامنة إلى الرابعة عصرا والخميس من الثامنة إلى الواحدة ظهرا، وأصبحنا نعمل يوميا من الساعة الثامنة إلى الساعة الخامسة عصرا بما في ذلك يوم الخميس! وهذا كله بمباركة هذا النظام. أتساءل ويتساءل الكثيرون حول إمكانية إعادة النظر في نظام ساعات العمل حسب نظام العمل السعودي حيث إنه ما زال 48 ساعة في حده الأقصى! هل من المعقول أن يكون النظام العالمي للعمل 40 ساعة فقط ويومين إجازة في الأسبوع ونكون نحن في القطاع الخاص في السعودية يطبق علينا النظام 48 ساعة ويوم واحد فقط في الأسبوع إجازة؟ لماذا لا يتحدث أحد حول هذا الموضوع ومن يمكن أن يثير مثل هذه القضايا؟ طبعا لأن الغالب من مسؤولينا يعملون في القطاع العام في حدود سبع ساعات يوميا ويومان إجازة, ولكن من يقوم بأخذ حقوقنا كموظفين في القطاع الخاص وبعضهم بل والكثير منهم يمتلك شركات يعمل بها موظفون ويطبق عليهم هذا النظام إذن هم المستفيدون. لماذا لا تتم تسويتنا بالنظام الحكومي أو على الأقل بالنظام العالمي وتقليل أسباب ترك القطاع الخاص والتوجه للقطاع الحكومي؟ نحن الآن تحت منظومة التجارة العالمية، لماذا لا يتم تغيير نظام العمل السعودي ليتماشى مع هذه المنظومة؟ لماذا لا يتم إيجاد دراسة حول التغيرات الاجتماعية والثقافية بين الذين يعملون ستة أيام في الأسبوع من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة الخامسة عصرا، وبين الذين يعملون خمسة أيام في الأسبوع من الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثالثة ظهرا؟ هذا إن حضروا في أوقاتهم. لماذا لم تزد الرواتب بل زادت علينا ساعات العمل وزادت علينا أسعار المعيشة! أليس لنا أوقات نقضيها مع أبنائنا وزوجاتنا وأصحابنا هواياتنا واهتماماتنا أم نحن نصنف في الطبقة الكادحة أيام عصر الصناعة وليس من حقنا إلا خدمة صاحب العمل. لقد تم تغيير نظام العمل العالمي وتخفيض ساعات العمل إلى 40 ساعة في الأسبوع ويومين إجازة منذ عام 1935، ونحن مازلنا في زمن البيروقراطية لماذا ولماذا ولماذا؟ مازلنا ننتظر النصير؟؟ وربما المصير!" انتهت الرسالة.
ومن جهة أخرى, نجد مقالا للدكتور أمين ساعاتي الذي نشر في "الاقتصادية" بعنوان "رواتب الموظفين تبحث عن مزيد من العدالة" يدافع فيه وبشدة عن حقوق الموظفين في القطاع العام وتعرضهم إلى عدم المساواة فيما بينهم وسأقتبس هذه الكلمات من مقال الدكتور أمين "وبإمكاننا أن نوفر للموظف المدني الراتب العادل والبدلات التي يحصل عليها الموظف في القطاع الخاص كبدل العلاج وبدل السكن". وفي مقال آخر في جريدة "الاقتصادية" يقرع الدكتور حسن الملا الجرس ويطالب بتوحيد بيئة العمل بين القطاعين العام والخاص ويدعو إلى دمج النظامين معا.
تبدو الصور أكثر وضوحا الآن، فلا يزال العمل في القطاع العام أكثر جاذبية لمحدودية التحديات ومناخه الروتيني، بينما يواجه العمل في القطاع الخاص تحديات وبالتأكيد مزايا بحجم قبول التحدي، ولكن في كلا النظامين عيوب تزيد حلولها صعوبة بمرور الزمن.
وإذا كان الدكتور حسن الملا يسأل عمن يدق الجرس فإني أسال عمن يعلقه. إن الحل لهذه النقطة - كما يظهر لي - هو في دمج وزارتي الخدمة المدنية ووزارة العمل تحت مظلة وزارة واحدة تعنى بتوحيد البنية القانونية الأساسية والمناخ العام لبيئة العمل السعودية. فيجب أن تكون مواعيد العمل عادلة ومتناسبة مع الراتب، وكذلك المزايا الأخرى على تنوعها مع قبول فروق طبيعية بين القطاعين تتناسب مع حجم التحديات والمخاطر. وكما أشرت في مقال سابق يجب أن نعتبر الحكومة كأي رب عمل تخضع مع القطاع الخاص لنظام عمل مشترك في مبادئه العامة وإن اختلف في بعض تفصيلاته الضرورية.
على هامش المقال
أتساءل عن دور وزارة الاقتصاد والتخطيط ، هل تخطط الاقتصاد أم تقتصد في التخطيط؟ وإن غيابها عن قضية بحجم السعودة, وهي قضيتها من حيث المبدأ, ليثير العديد من التساؤلات.