رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إدارة الاقتصاد السعودي بين تزايد البيروقراطيين وقلة التكنوقراطيين

fawazhf@ yahoo.com

يتمتع اقتصاد المملكة بمقومات ومعطيات جيدة لبناء اقتصاد حديث, ولعل لديه الفرصة لتغيير الخريطة الاقتصادية في المنطقة ليس حجما فقط, كما هو الحال, بل كيفا ونوعا, وهذا هو الأهم. يبقى دور الحكومة في إدارة الاقتصاد مركزيا ولوقت طويل حتى يتمكن الاقتصاد الخاص من تطوير تنمية متكاملة مبنية على اقتصاد القيمة المضافة والضرائب. وكما هي العادة في كل ظاهرة اقتصادية, الدور الرئيس هو الدور الإداري والفني والمهني. المراقب اليوم لهذا الدور في المملكة يجد سيطرة بيروقراطية على حساب المعرفة الفنية المهنية "التكنوقراطية". إنه تحد كبير للمجتمع قيادة وشعبا أن يحول الدور القيادي في المؤسسات الاقتصادية الفاعلة من قبضة البيروقراطي إلى التكنوقراطي.
يتطلب الاقتصاد الحديث إدارة قوية ديناميكية قادرة على أخذ روح المبادرة وتحمل نتائج المخاطر بالتغيير والمحاولات الناجحة والفاشلة, بينما الاقتصاد المتردي يميل إلى أن يخضع إلى إدارة البيروقراطي الذي يتفادى التغيير وكره المخاطر, ولعلنا نحاول فهم عقلية البيروقراطي والتكنوقراطي لكي نستطيع التمييز بين الاثنين.
يصل البيروقراطي إلى الوظيفة العليا بالقبول بوظيفة بطيئة التقدم ولكنه صبور طموح وذكي في السياسات الداخلية في المؤسسة التي تحتضنه ويجيد تقمص التعقل وذكر المصلحة الوطنية من حين إلى آخر لعل أحدا يشيد به ويذكر اسمه لشخص أعلى منه رتبة. فهو يجيد الكر والفر, يتراجع حين يكون الموقف يستدعي ذلك وقد ينقض بسرعة البرق حينما تكون هناك نصف فرصة. وعندما يصل إلى الوظيفة العليا يبدأ في حرب من نوع آخر, فهو يحارب الأفضل منه, وإذا كان لديه رغبة جامحة غير واقعية تراه يبدأ التفاتة طيبة نحو المصلحة الذاتية. الأهم في دوره الاقتصادي الإداري هو رغبته القوية في الحفاظ على النظام البيروقراطي الذي نجح فيه ويشجع من قبل بالعقلية نفسها التي أهم خصائصها محاربة كل ما هو جديد وكره شديد للتغيير وتفادي المخاطرة والمبادرة, حيث إن هذه تحمل مخاطر غير محسوبة, فهو يفضل السكينة والسكون على المخاطرة بالتقدم.
في المملكة نوع آخر من البيروقراطي الجديد, وهم بعض أساتذة الجامعات وبعض خريجي المؤسسات الدولية الذين ليس لهم سابق خبرة في إدارة أي عمل أو إدارة أي فرد, البعض منهم لم يجرب في أي عمل سابق ولعل أول تجربة له منحه وظيفة عليا.
من الصعب جدا تقييم شخص لم يسبق له العمل, فهو رجل نظري مؤدب يجيد اللغة الأجنبية ويتكلم بالعموميات ولا يعرف التفاصيل, يستطيع التهرب من خلال لجنة عليا ولجنة دنيا, فهو ليس في المصعد ولا في السلم مستعد لاستعمال أي منهما للهرب من السؤال المحدد المحرج ومن يلومه, فليس لديه أي تجربة سابقة.
يستغل علمه في قدرته الفائقة على التخلص من المسؤولية ولوم المجتمع أو من حوله, إحدى خصائصه حرص أكثر من النوع البيروقراطي على المصلحة الشخصية, فهو يريد أن يعوض طول الدراسة في الدكتوراة. دوره الاقتصادي خطير فهو يعرف ما يريد ولكنه يدعي نزعة خاصة لتحديث النظام, يخاف ويحقر النوع البيروقراطي الأول ولكنه في الغالب يتركه وشأنه كل فيما يخصه, ولا يترك فرصة في محاربة التكنوقراط مرات بالشك ومرات بالتعاون مع البيروقراطي التقليدي.
عندما يسيطر البيروقراطي بنوعيه على إدارة الاقتصاد لا يبقي حيزا مريحا للتكنوقراطي للبقاء, فهو شخص نادر يجيد حينما يعطى درجة أعلى من الاستقلالية (بعد وضوح الخطوط الاستراتيجية العريضة) اللازمة لتغيير الوضع, فهو صبور ويقبل المخاطرة بصدر رحب, يريد قرارا حاسما وواضحا للعمل, يتوقع اكتمال حلقات القرار وأن تعمل بسلاسة سوى في المجال التشريعي والقضائي أو التنفيذي. يقبل المخاطرة والمطالبة بسلطات واضحة تجعله يتحمل المسؤولية ومستعد للتنازل عن الوظيفة في حال فشله أو وضوح عدم قدرته. رغبته الأولى في العمل الفني الإداري الذي يمكنه من تحقيق الذات ثم الرجوع إلى القطاع الخاص لتحقيق مكسب مادي. عادة ما يكون التكنوقراطي ذا تعليم جيد دون شهادات عليا, تراه بعيدا عن المجاملات والشكليات, يرى القيمة الاقتصادية في العمل واعتناق المستقبل.
اتضح أثناء تجربة تداعيات إدارة سوق الأسهم مدى الحاجة إلى رسم خطوط واضحة بين هذه الأصناف الإدارية والحاجة إلى إيجاد مساحة كافية للقدرات المهنية والفنية. لعل هذه التجربة تفيد الاقتصاد والقيادة في اختزال هذه التجارب ومعرفة قياس قدرات المواهب في المجتمع, فنحن هنا نتحدث عن التوجهات والأغلبية ولكن لا شك أن هناك مواهب وأفرادا مخلصين في كل فئة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي