سوق الأسهم لا تزال هشة
يصادف هذا الأسبوع مرور عام على بداية التراجع المؤلم لسوق الأسهم السعودية من ذروتها التي بلغتها عند مستوى 21 ألف نقطة تقريباً في 25 شباط (فبراير) 2006 لتكسر حاجز سبعة آلاف نقطة نزولاً في نهاية الشهر الماضي. وقد شبّه البعض ما أصاب السوق خلال تلك الفترة بإعصار تسونامي, إذ وجد المتعاملون أنفسهم فجأة ودون سابق إنذار محصورين في وسط أمواج متلاطمة عالية ما جعل أعداداً كبيرة تتدافع للخروج من السوق بحثاً عن النجاة بأي شكل كان ولو حتى على طريقة ذلك الأعرابي الذي رضي من الغنيمة بالإياب . لكن هيهات، فقد أتى طوفان السوق المتسارع على رؤوس أموال الكثرة بعد أن تبخرت أرباحهم الدفترية التي ازدانت بها كشوف حساباتهم لأجل لم يدم طويلاً.
قبيل انهيار السوق المفاجئ، كانت الأجواء المحيطة بها احتفائية مليئة بالتفاؤل أينما التفت المرء، فهناك أرباح قياسية لمعظم الشركات المدرجة، مستويات غير مسبوقة لأسعار النفط، انخفاض ملموس في الدين العام، اكتتابات متتابعة, توسعة قاعدة القطاع المصرفي, تأسيس شركات وساطة مالية, مضاعفة عدد المشاركين في السوق الأولية من مليون مواطن تقريباً إلى نحو ثمانية ملايين أو أكثر, وغيرها من المؤشرات الإيجابية ما دعا البعض إلى التبشير بوصول مؤشر السوق إلى 30 ألف نقطة بحلول منتصف عام 2006, أي ما يشكل زيادة قدرها 50 في المائة في القيمة الإجمالية للسوق! إلا أن ما حصل فعلاً كان على النقيض من ذلك تماماً, إذ خسرت السوق نصف قيمتها بحلول شهر أيار (مايو) من العام نفسه لتواصل تدحرجها إلى الخلف تاركة وراءها المزيد من الضحايا هنا وهناك, ومن بينهم بالطبع أولئك المبشرون.
لقد أصبحت مشكلة سوق الأسهم هماً عاماً بالمعنيين الحقيقي والمجازي لكلمة "هم", إذ طالت تلك المشكلة السواد الأعظم من المواطنين بمختلف شرائحهم على أن وقعها على ذوي الدخول المحدودة كان أشد وطأة وإيلاماً. وعلى الرغم من المحاولات التي بُذلت والخطوات الإجرائية التي أُدخلت على السوق لدعمها لم تزل هشة بعد وإن سلكت مساراً تصاعدياً منذ أسبوعين تقريباً. إذ لم تفلح تلك الإجراءات حتى الآن في شد أزر السوق بشكل مطمئن وانتشالها إلى مستوى عادل ومتوازن في الوقت نفسه. من بين تلك الإجراءات كانت تجزئة قيمة الأسهم, إعادة نسبة التذبذب اليومي إلى 10 في المائة بدلاً من 5 في المائة فقط, السماح للمقيمين بالمشاركة في السوق, تسريع وتيرة الاكتتابات الجديدة, تعديل فترة التداول, تفعيل سلطات هيئة السوق المالية في متابعة وضبط المخالفات وغيرها. ولم تقتصر خيبة السوق في أن تلك الإجراءات لم تحقق ما كان منتظراً منها, بل أسهمت الصناديق الاستثمارية التي تديرها البنوك في تفاقم المشكلة بينما كان يُعولُ عليها أن تلعب دوراً قيادياً في انضباط حركة السوق وايقاعها. إذ من المؤسف أن تحولت معظم تلك الصناديق إلى مجرد محافظ كبيرة تفتقد الإدارة المؤهلة, الرقابة الرادعة, والشفافية, ولك أن تتخيل حصيلة غياب تلك العناصر الثلاثة في أي عمل مهمـا كان!
اليوم نسمع ونقرأ مقترحات عدة تحت العنوان العريض "إصلاح السوق" أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها تنطوي على أفكار مشوشة لا تخدم الهدف الذي طُرحت من أجله إذ إنها تشكل تدخلاً سافراً في آليات السوق. لذا ينبغي التنبيه إلى أن أي تدخل في آليات السوق, وإن بدا في ظاهره في مصلحة المتداولين في الوقت الراهن, سيكون بمثابة ضربة قاضية على مستقبل السوق ومصداقيتها. لكن في المقابل لا بد من البحث عما قد يكون هناك من خلل أو قصور والعمل على إصلاحه.
وفي هذا السياق نجد أن من الملامح اللافتة للانتباه في تركيبة سوق الأسهم السعودية أن أكثر من 60 في المائة من قيمتها الإجمالية تسيطر عليها ثلاث جهات فقط, هي: صندوق الاستثمارات العامة, المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية, والمؤسسة العامة للتقاعد. وتعد تلك الملكية الكبيرة المركّزة, في نظر بعض المراقبين, خللاً في هيكلة السوق مستشهدين بالحالة المضطربة التي تعيشها, وهو استشهاد غير صائب. إذ إن ما أسهم في عدم استقرار السوق ليس حجم تلك الملكيات بل غيابها عن المشاركة في ممارسة دورها في الدفاع عن مصالحها في السوق.
إن من طبيعة أية سوق, سواء كانت أوراقاً مالية أو نفطاً أو غيرها, أن يدافع المتداولون فيها عن مصالحهم دون الحاجة إلى إيعاز أو توجيه, وتلك المصلحة تكمن في المحافظة على مستويات عادلة للأسعار بعيداً عن التقلبات الحادة صعوداً أو هبوطاً . بالطبع يختلف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل متداول في الدفاع عن السوق إذ كلما ازدادت حصته في ملكيتها ازدادت مسؤوليته تبعاً لذلك. ومن ثم إذا غاب كبار الملاك عن ممارسة مسؤوليتهم في الدفاع عن مصالحهم في السوق اضطربت أحوالها وباتت هشة على النحو الذي نشاهده في سوق الأسهم السعودية ولن تستقر أبداً مهما فُرض عليها من رقابة أو تنظيم. ولعل ما يفسر غياب الملاك الثلاثة الكبار في السوق (صندوق الاستثمارات، التأمينات, والتقاعد) عن التفاعل مع ما يجري في ساحتها سببان, أولهما أن حصصهم في الشركات المساهمة لم تؤل إليهم بالشراء من خلال آلية السوق بل من خارجها. فبعض تلك الحصص كان أصلاً ملكية كاملة لصندوق الاستثمارات العامة كـ "سابك" مثلاً, وبعضها تم تخصيصه مباشرة للتأمينات والتقاعد, والبعص الآخر تم الاستحواذ عليه في صفقات خاصة, وهكذا.
أما السبب الآخر والأهم لغياب أولئك الثلاثة الكبار نجد جذوره في الملكية العامة لتلك الحصص وإدارتها بأسلوب يفتقد الحوافز للمسؤولين عن تنميتها. لكن مهما كانت الأسباب, ينبغي ألا يكون هناك عائق أمامهم في المشاركة في الدفاع عن السوق وحماية مصالحهم بدعم الأسهم القيادية التي يمتلكون حصصاً مؤثرة فيها (أكثر من 70 في المائة في كل من: "سابك", "الاتصالات", و"الكهرباء", 44 في المائة في "سامبا", 20 في المائة في بنك الرياض, وغيرها). إذ يمكن لتلك المؤسسات الثلاث دعم السوق بأكملها والمحافظة على استقرارها من خلال دعم ثلاث أو أربع شركات فقط بمبالغ في متناول تلك المؤسسات وبعوائد منافسة لما يحققونه من استثماراتهم الأخرى.
دعونا نُجّير ما يراه البعض خللاً في هيكلة السوق إلى آلية دعم تمنحها صلابة و تحافظ على استقرارها ونموها, وهي ليست دعوة مبطنة لتدخل حكومي في السوق أو تكليف تلك المؤسسات الثلاث بعمل خارج عن اختصاصهم خدمة للصالح العام بل هو تفعيل لآليات السوق وخدمة لمصالحهم الاستثمارية للحفاظ على أقيام جيدة لمحافظهم في تلك الشركات القيادية وهو مسلك طبيعي تمارسه المؤسسات المماثلة في الأسواق المالية الناضجة على مدار الساعة.