رواتب الموظفين.. البحث عن مزيد من العدالة!
الغريب أن راتب الموظف المدني الحكومي في كل دول العالم هو الأقل مقارنة بغيره من موظفي القطاع العسكري والقطاع الخاص وبالذات قطاع المال والأعمال، وفي تصوري لا توجد أسباب موضوعية أن رواتب موظفي الخدمة المدنية يجب أن تكون أقل بكثير من رواتب الموظفين في القطاع الأمني وقطاع المال والأعمال.
والغريب والعجيب أن هذا الانخفاض في رواتب موظفي الخدمة المدنية مشاع ليس في الدول النامية ولكن حتى في الدول المتقدمة التي ترتفع فيها إنتاجية الموظفين الحكوميين إلى مستوى إنتاجية موظفي القطاع الخاص.
والسؤال: كيف تتحدد رواتب الموظفين؟ وكيف يصمم سلم الرواتب لكي يعبر عن الاستحقاقات العادلة للعامل والعمل؟!
إن علماء الإدارة هم المعنيون ـ بالدرجة الأولى - بوضع سلم الرواتب لأي شركة وأي مؤسسة حكومية، وهناك العديد من الأسباب الموضوعية التي تشترك في وضع مواصفات سلم الرواتب. وينطلق علماء الإدارة في وضع سلم الرواتب من مقولتهم المشهورة Equal work equal salary. بمعنى أن الراتب يجب أن يرتبط بالعمل. أما الحوافز فإنها ترتبط بالإنتاجية, ونحن معنيون في هذا المقال بمناقشة رواتب الموظف العام في المملكة العربية السعودية وأسباب انخفاضها مع البحث عن العدالة في تحديد رواتب موظفي الخدمة المدنية في جميع قطاعاتهم.
إن أهم ما يسترعي الاهتمام أن راتب الموظف العام لا يتناسب مع الوظيفة التي يضطلع بها، وفيه حيف كبير تجاه هذا الموظف الذي لا يملك إلا القبول بهذا القليل المتاح من الوظائف المحدودة، ولكن ظاهرة التضخم وارتفاع المستوى العام للأسعار بدأت تؤثر تأثيرا مؤلما على المستوى المعيشي للموظف الحكومي أكثر من غيره من الموظفين.
والأغرب من هذا وذاك أن تصنيف الموظف الحكومي اتخذ أشكالاً عمق الفجوة بين الموظفين وغيب العدالة في توزيع الدخل. ونذكر – على سبيل المثال - أن نظام الخدمة المدنية يعطي للحاصلين على درجة البكالوريوس مبلغ 4390 ريالاً كراتب شهري بالمرتبة السادسة و5210 ريالاً للحاصلين على درجة الماجستير و6080 ريالاً لحاملي درجة الدكتوراة، بينما نجد أن الطالب الحاصل على بكالوريوس علوم أمنية – مثلاً - يعين برتبة ضابط براتب لا يقل عن ثمانية آلاف ريال شهرياً إضافة إلى البدلات، كذلك يحصل خريجو الكليات العسكرية ضعف رواتب المدنيين، أي أن خريجي الكليات الأمنية والعسكرية يحصلون على ضعف ما يحصل عليه الموظف المدني، إضافة إلى البدلات والعلاوات والمزايا الأخرى التي تجعل دخل شريحة من المواطنين أعلى بكثير من دخل شرائح أخرى.
نحن هنا لا نطالب بخفض رواتب خريجي الكليات الأمنية والعسكرية، ونقدر الأعمال الباسلة التي يقومون بها، وإنما نطالب بإعادة النظر في سلم رواتب موظفي الخدمة المدنية، ونطالب بإعطاء هذه الفئات الكثيرة شيئا مما يستحقون من العدالة في توزيع الدخل، ولنتصور أن رئيسا لقسم التوزيع أو قسم التسويق في شركة من الشركات يتقاضى راتبا يتجاوز راتب وكيل وزارة، ناهيك عن توابع الراتب الضعيف عند الإحالة إلى التقاعد، حيث ينكمش دخل الموظف المدني الحكومي ويصبح في المستويات الأدنى لبقية المواطنين.
ربما يقال إن سبب انخفاض راتب الوظيفة العامة يعود إلى أن الوظيفة في القطاع المدني تأتي في إطار مجموعة من الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أي أن الدولة تعلن عن الكثير من الوظائف دون الحاجة إلى هذه الوظائف، بل إن بعض الدول النامية تصدر قرارًا جماعيا بتوظيف الآلاف من خريجي الجامعات لا لحاجة إلى هذه الوظائف بل بهدف تقليص معدلات البطالة، ولذلك فإن باب الرواتب في ميزانيات بعض الدول النامية يتجاوز الـ 80 في المائة من اعتمادات الميزانية بينما مشاريع التنمية تتراجع إلى نحو 10 في المائة من اعتمادات ميزانية الدولة، ولهذه الأسباب فإن رواتب موظفي الخدمة المدنية متدنية، وأن عيوبا سلوكية كثيرة يوصم بها موظفو الخدمة المدنية نتيجة طبيعية لضعف الرواتب والمستحقات.
وإذا كان هذا صحيحًا في الدول النامية الأخرى، فإن ما يجب أن يكون عليه راتب الموظف المدني في السعودية هو أن يتناسب مع إخوانه الموظفين في القطاعات التي ذكرناها.
ونتصور أن الحل يكمن في ضرورة تغيير وجهة الإدارة العامة من إدارة خدمات.. إلى إدارة أعمال تسعى إلى الربح المادي وأداء الخدمة الجيدة مثلها مثل إدارة الأعمال.
بمعنى يجب أن نعيد هيكلة القطاع الحكومي ويجب أن نفهم الموظف الحكومي أن العمل الذي يقوم به له مردود مثله مثل الموظف في القطاع الخاص ونقوي من أجهزة الرقابة عليه ثم نصمم له سلمًا للرواتب يتمشى مع الأداء الجيد ويوفر له سبل العيش الكريم.
أقول: ليس من الإنصاف أن نجعل رواتب الموظفين الحكوميين في المستوى الأدنى ثم نطالبهم بأن يكونوا في قمة النزاهة والشفافية وبإمكاننا أن نوفر للموظف المدني الراتب العادل والبدلات التي يحصل عليها الموظف في القطاع الخاص كبدل العلاج وبدل السكن ثم نطبق عليه مبادئ الحوكمة والرقابة الجادة والمساءلة.