رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


وزارة للإدارة المحلية

aashiha.kfu.edu.sa

تحت هذا العنوان كتب بدر بن أحمد كريم مقالا نُشر في جريدة "عكاظ" بتاريخ 24 المحرم 1428هـ العدد 14779, اقترح فيه إنشاء وزارة للإدارة المحلية تعنى بالإشراف على تصميم وتنفيذ مشاريع البنية الأساسية مثل: مد شبكات الكهرباء، مياه الشرب والصرف الصحي, رصف الطرق داخل المناطق والمحافظات, وإقامة الجسور والأنفاق تمشيا مع التطورات المتلاحقة التي يشهدها المجتمع السعودي وتحولاته السياسية والاقتصادية، ما يتعين معه تطوير مفهوم اللامركزية في الإدارة وتطويره. وأكد في هذا السياق أهمية "تنمية قدرات أعضاء المجالس المحلية، والبلديات ومجالس المناطق، وتحديد الاختصاصات والمهام المطلوبة بكفاءة وفاعلية. وأشار في نهاية المقال إلى ضرورة تكريس دور المجتمعات المحلية (المناطق) في التنمية المحلية. وإن كنت أتفق مع بدر كريم من حيث المبدأ على أهمية إنشاء وزارة للإدارة المحلية، إلا أنني أختلف معه في طبيعة الدور الذي يفترض أن تلعبه والوظائف الرئيسة التي من المؤمل أن تقوم بأدائها. فيبدو أن الدعوة إلى إنشاء وزارة للإدارة المحلية والقيام على وجه التحديد بأدوار تنفيذية ورعاية المشاريع المحلية تتناقض في جوهرها مع فكر وفلسفة التوجه نحو اللامركزية. وأخشى أن ذلك مدعاة إلى تعزيز مفهوم سائد وممارسة اعتدناها وهو معالجة البيروقراطية بالبيروقراطية وكأن لسان الحال يتمثل القول المأثور: "وداوها بالتي كانت هي الداء"! الذي قد يصح في مواضع كثيرة، لكن لا أظنه كذلك في حال البيروقراطية.
إن المشكلات الإدارية المحلية التي نواجهها وما تفرزه من قضايا وتحديات متكررة والدخول في دوامة من الأزمات المتلاحقة وتداعيات لا تنقضي، سببها الرئيس المركزية الشديدة واستناد القرارات العامة إلى اللوائح والأنظمة الداخلية للبيروقراطيات. وما يزيد الطن بلة، أنه في كل مرة نحاول الإصلاح الإداري تكون جميع المبادرات داخل التنظيم البيروقراطي وتدور في فلكه. هذه المحاولات لن تفلح إذاً أبدا! لأن صناعة القرارات العامة يجب أن تكون من خلال المجالس النيابية التشريعية التي تمثل الرأي العام المحلي وتحدد احتياجات سكان المحليات (المدن) وطموحاتها. وسنظل نراوح مكاننا إذا ما استمررنا في الاعتماد على البيروقراطيات في عملية اتخاذ القرارات العامة المحلية. ولذا فإن إنشاء وزارة للإدارة المحلية تقوم بأدوار تنفيذية وصناعة القرارات المحلية مركزيا, هو من باب تغيير الأسماء ليس إلا، بل إنه مدعاة إلى تكريس المركزية بمفهومها البيروقراطي, ونكون بذلك قد عدنا إلى المربع الأول!
إن النهج الذي اختطته الدولة في التوجه نحو اللامركزية والمشاركة الشعبية في صنع القرار المحلي يلزم أن يكون المنطلق الفلسفي والأساس لكل محاولة في تطوير العمل المحلي. قد يكون من الخطأ الفادح حصر مفهوم الإدارة المحلية في نطاق الأجهزة الحكومية, خاصة في ظل استحكام التنظيم البيروقراطي والاعتماد على فروع الوزارات واقتصار المجالس البلدية الاستشارية على الخدمات البلدية دون القطاعات الأخرى, مثل: الأمن, الصحة, التعليم, وغيرها.
إن الإدارة المحلية بمفهومها الواسع الشمولي تعني إدارة المجتمع المحلي, وفي إطار هذا المفهوم يتداخل جميع القطاعات المحلية ومكونات المجتمع المحلي (الحكومية، الخاصة, الأهلية، وعموم السكان) في عملية صنع القرار, وبالتالي لا تقتصر على الجهات الحكومية فقط, كما يظن البعض.
إن الإشكالية التي نعانيها في المجتمعات المحلية هي عدم اهتمام سكان المدن بالقضايا العامة والشأن المحلي، وهذا بطبيعة الحال يعود إلى الاعتماد الكبير على البيروقراطيات في عملية صنع القرار وتهميش السكان ردحا من الزمان دون المشاركة في القرار، حتى افتقدوا الاهتمام والدراية والرغبة في النقاشات العامة والعملية السياسية المحلية. وأكبر دليل على ذلك إحجام البعض عن المشاركة في عملية انتخاب أعضاء المجالس البلدية الأخيرة اعتقادا منهم أنها لن تجدي نفعا! ولذا كان تثقيف العموم بالعمل الجماعي والإسهام في التنمية المحلية وزيادة الوعي الجماعي والإحساس بامتلاك المكان والاهتمام بأمر المدينة من أهم الموضوعات التي تحتاج إلى التركيز والاهتمام. هذا يتطلب بطبيعة الحال صياغة استراتيجيات محلية تكون إطارا ومرشدا عاما للعمل الجماعي المشترك بين الفاعلين والنشطاء في المجتمع المحلي بكل فئاتهم وقطاعاتهم . كما أن الاستراتيجية المحلية تحدد ما ينبغي عمله والرؤية المستقبلية للمدينة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك تحديد الخطط والبرامج التي تحول الرؤية إلى واقع ملموس وتحقق الأهداف المطلوبة. ويبقى نجاح تنفيذ الاستراتيجية مرهونا بمستوى كفاءة وفاعلية وحجم الكوادر البشرية والنظم الإدارية وشبكة الاتصال والتعاون بين الهيئات والمنظمات المحلية في جميع القطاعات. وهذا يستلزم تبني برامج لبناء القدرات المحلية ليس من جانب التدريب وتطوير الموارد البشرية وحسب، ولكن تهيئة البيئة المحلية بأكملها لتكون أكثر إنتاجا وراحة للسكان.
إن مساعدة المجتمعات المحلية على استخدام الموارد والإمكانات المتاحة بطريقة تحقق احتياجات السكان وتلبي متطلبات التنمية المحلية قد تكون أحد الأدوار الرئيسة للوزارة المقترحة.
أمر آخر في غاية الأهمية يجب أخذه في الحسبان نحو تطوير المجتمعات المحلية, وهو توثيق التجربة الإدارية المحلية ورصد التنمية المحلية والدفع نحو بناء خبرة متخصصة في مجالات محددة تعطي كل محلية (مدينة) ميزة تنافسية وتفضيلية عن غيرها من المدن داخل الوطن وحتى خارجه. هذا التميز المحلي سواء في الصناعة أو التجارة أو حتى في المناخ العام للمدينة بتراثها وتصميمها العمراني هو ما يلزم إدراكه والعمل على تطويره, وفي الوقت ذاته الحفاظ عليه! إنه هوية المدينة وشخصيتها التي يعتز بها سكانها وتجعلهم يحبونها ويتعلقون بها ويمتلكونها، وهو في الوقت ذاته القاعدة الاقتصادية والتخصصية المحلية التي تجعلها في وضع تنافسي أقوى. ومن دون توثيق لهذه العملية ورصد تجربتها الخاصة في التعامل مع المستجدات وقدرتها الإبداعية على إيجاد حلول ومنتجات وخدمات جديدة لن تستطيع المجتمعات المحلية بناء قدراتها وإمكاناتها المتميزة وما تتفرد به من ميزات وسمات.
من هنا كانت أهمية إجراء البحوث والدراسات الميدانية والاستشارات المهنية التي توثق القضايا والشؤون المحلية التي تهم المجتمع المحلي وكيفية التعامل معها ومعالجتها والأفكار الإبداعية والمنتجات والخدمات التي يتم إنتاجها والخبرات التراكمية في مجالات محددة تم اكتسابها عبر زمن طويل وتحولت إلى قاعدة ثقافية اقتصادية. على سبيل المثال في القصيم, الأحساء, القطيف, المدينة, وبيشة وعبر سنوات طويلة من التجربة تكونت ثقافة إنتاج التمور وأصبح أهاليها الأكثر تخصصا وإلماما ومعرفة بأدق تفاصيل هذا القطاع الزراعي، بينما نجد في المقابل مدنا ساحلية كالدمام وجدة تتمتع بثقافة اقتصادية بحرية. هذا مجال واسع يحتاج إلى خطط تطويرية تساعد المجتمعات المحلية على التعرف على إمكاناتها ومواردها وقدراتها وتسخيرها نحو تحقيق تنمية مستدامة. وعلى الرغم من أن جوهر نجاح الإدارة المحلية يرتكز على درجة الاستقلال المالي والإداري، إلا أن هناك حاجة إلى تحسين نظم تبادل المعلومات بين الهيئات المحلية والاستفادة من تجارب بعضها البعض وتبادل المعلومات والاتفاق على صيغ جديدة لتحسين أداء الإدارة المحلية والعمل المشترك. لا شك أن المجتمعات المحلية في الوقت الراهن تعدم القدرة والآلية اللتين تمكنانها من استيعاب تجاربها والعمل بوعي تام على تطويرها وربط وتوجيه جهود التنمية المحلية نحو الارتقاء بها وتحسينها. هذا القصور في النضج في إدارة المجتمعات المحلية يعكس فجوة كبيرة بين ما ينبغي عمله والوضع الراهن, ويشكل عقبة كؤود في الانتقال إلى مراحل متقدمة من اللامركزية والاستقلال المالي والإداري والعمل التعاوني المحلي. إن معالجة هذا الأمر تستدعي إنشاء وزارة للإدارة المحلية تقوم بأدوار مساندة تطويرية وتنسيقية وتوثيقية وتثقيفية لرعاية وتطوير إدارة المجتمعات المحلية وقيادتها نحو مستويات أعلى من الاعتماد على ذاتها في عملية صنع القرار. 

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي