نظام العمل والسعودة – من أين يبدأ الحل؟ المنافسة العادلة (2)
في المقال السابق أشرت إلى أن جزءا من مشكلة السعودة وقضية البطالة يعود إلى زيادة المعروض من العمالة عموما ومن العمالة الأجنبية المقبلة من شرق آسيا بشكل خاص، وهذا ولد تحديات كبيرة على الاقتصاد السعودي تحملت وزارة العمل ولوحدها وزر معالجته! كما أشرت أيضا إلى أن الحل ينبع من إملاءات النظرية الاقتصادية وأي محاولات لإجبار الاقتصاد على غير ذلك ستنتهي إلى الفشل. وقلت إن الحل يبدأ من تطبيق نظام عادل للأجور بغض النظر عن جنسية العامل. لكن هذا الحل وفي ظل الأوضاع الاجتماعية والثقافية السائدة سينتج عنه، بلا شك، سوق سوداء للعمل وستعقد اتفاقيات وعقود في الظل وفق معدلات الأجور السائدة الآن، وذلك لأن العامل الأجنبي سيرضى بالأقل من أجل كسب فرصة العمل ومنافسة العامل السعودي عليها. وهذا يعني أن العامل السعودي يواجه بمنافسة غير عادلة وأن اقتصاد العمل السعودي يعاني الإغراق، حيث زيادة عرض العمل الأجنبي وتدني أسعاره إلى مستويات قياسية.
لكن هذا يقودنا إلى السؤال الأهم في موضوع العمالة وهو لماذا يرضى العامل الأجنبي براتب أقل بكثير من نظيره السعودي، أتحدث هنا عن العمالة العادية والتي لا تتطلب مستويات تأهيل عالية أو قدرات تدريبية خاصة ولا نواجه مشكلة الندرة. لماذا لا يستطيع الشاب السعودي منافسة جارة الأجنبي في أعمال مثل سيارات الأجرة أو الحلاقة أو خلافها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال بسيطة جدا ومع ذلك فإن الحل هو العقبة الكئود أمام دعاة السعودة. فالعامل الأجنبي - وخاصة من دول شرق آسيا - يقبل بمستويات أجور متدنية جدا لأنه يعيش في مستويات معيشة حقيرة تتجاوز خط الفقر بمراحل مذهلة حتى أن أحدا لا يندهش من 20 عاملا أجنبيا في بيت شعبي متهالك يقتسمون قطعة من الخبز الجاف، أضف إلى ذلك أنهم ليسوا بحاجة إلى استخدام السيارات لمواصلاتهم وتنقلاتهم اليومية بل قد يستخدمون من أجل ذلك أبسط وسائل النقل المعروفة وأكثرها إرهاقا لا لشيء إلا لتوفير ما يستطيعون تحويله إلى ديارهم – هذا إذا افترضنا أنهم لا يعملون في غير المجال الذي استقدموا من أجله. كما أن هؤلاء العمال لديهم تأمين صحي يمكنهم من الحصول على العلاج اللازم وعلى نفقة رب العمل.
وبالمقابل فإن على الشاب السعودي أن يسكن هو وأسرته - وفي أسوأ الأحوال- في شقة صغيرة بإيجار يتجاوز 12 ألف ريال إضافة إلى احتياجات معيشية وصحية مرهقة جدا, لذلك لا يستطيع القبول بأقل من حد الكفاف أو أعلى قليلا والذي يقدر بـ 2500 ريال للأسرة المكونة من زوج وزوجة وطفل ولا يلام في ذلك، هذا إذا لم يكن لديه تأهيل منافس.
وهكذا ومن العرض السابق فإنه لابد من ضمان المنافسة العادلة في بيئة العمل السعودية، ولسنا بدعا من البشر في هذا، بل لقد قامت منظمة التجارة العالمية على مفهوم المنافسة العادلة و تدور رحى المفاوضات لضمانها وعدم حدوث اختراقات جوهرية في هذا الصدد وخاصة من دول تعودت على سياسات الإغراق، فلماذا - وهذا ديدن العالم – لا نقوم بتطبيق هذا المفهوم في أهم مشكلة اقتصادية نواجهها. لماذا لا نجبر العامل الأجنبي على مستويات معيشية أقل ما فيها أنها إنسانية وتتلاءم مع أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية السائدة. لماذا نسمح بتجمعات تتجاوز حدود المقبول وفي مجمعات غير صالحة للسكن أو المعيشة الإنسانية فضلا عما تسببه من مشاكل أمنية خطيرة جدا - ونحن نقرأ يوميا من هذه المشاكل ما يغني عن الحديث عنها.
إذاً، وحتى نتمكن من تنفيذ أهم نقطة في مشروع السعودة وهي دفع أجور العمالة الأجنبية إلى مستويات يستطيع العامل السعودي منافستها ومع إنشاء نظام عادل للأجور، علينا أن نمنع ونعاقب كل من يؤجر مباني غير صالحة للسكن أو على عدد كبير من العمال أو يسمح بمثل هذه التجمعات، نسن قوانين تؤكد ذلك، نقوم بعمل زيارات ميدانية لاستكشاف المشاكل الاجتماعية الناشئة عن التجمعات والمستويات الصحية التي يعيش فيها هؤلاء العمال، إجبار أرباب العمل على مجمعات سكنية ذات مواصفات قياسية، نخضع تحويلات العمالة الأجنبية من النقد للضريبة المباشرة. كل هذه الأمور, وبالتأكيد لدى القارئ الكريم ما يضيفه، لو طبقت بشكل جيد فستضمن بيئة عمل منافسة وعادلة.
وهكذا يتضح أن مشروع السعودة ليس مجرد قرارات تصدر بين فترة وأخرى، بل لابد من خطة استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحقيق بيئة اقتصادية تنافسية حقيقية تتوزع مهام تنفيذها على جميع الوزارات وأهمها وزارة العمل، الصحة، الشؤون الاجتماعية، العدل، والمالية. هذا فيما يخص موضوع المنافسة مع العمالة الأجنبية, وفي المقال القادم استعرض المنافسة مع القطاع العام، إن شاء الله.