هل لدينا سياسة عمالية؟
السياسة العمالية تصب في صلب عملية الإدارة الاقتصادية في كل الأوقات والمراحل الاقتصادية، خاصة حينما يكون الاقتصاد ليس في المرحلة التنموية فقط وإنما معتمداً أساساً على العمالة الأجنبية.
الشيء الوحيد المعروف عن السياسة العمالية هو السعودة والخطوات التي تحاول دعم هذا التوجه, ولكن من الواضح أن هناك غيابا لإطار فكري واضح ويؤسس لسياسة عمالية يمكن تحديد خطواتها المرحلية وقتاً ورقماً.
إحدى السمات الواضحة لدينا أننا في الكثير من المرات لا نأخذ في سياسات محددة، بل نجعل من قرارات إدارية هنا وهناك منظومة سياسة بديلة تنتهي ببعض التناقضات والمصالح الضيقة مرات، ومرات أخرى تخدم هدفا مرحليا قصيرا الأجل, وفي الأخير هذه القرارات والكثير منها من حسن نية وتوجهات وطنية، لكنها لا ترتقي إلى سياسة وطنية متكاملة (تجبر) الجميع على الانخراط فيها.
أهم ملامح السياسة العمالية (الماضي القريب وحالة السوق العمالية الفعلية اليوم)، هو سهولة قدوم الأجانب إلى المملكة (سهولة سياسة الاستقدام) وفقدان المرونة في سوق العمل (الصعوبة في نقل الكفالة وانتقال الموظف الأجنبي من شركة أو مؤسسة إلى أخرى)، بينما السائد في العالم هو العكس تماماً، حيث توجد سياسة استقدام أو هجرة صعبة من أجل حماية فرص العمل للمواطنين والمواطنات وتوفر مرونة في سوق العمل لتعظيم الاستفادة من العامل المستقدم.
الوجه الآخر لهذا الوضع السعودي أن القطاع الخاص وجد مصلحة ضيقة في الحصول على أرخص عمالة ممكنة في العالم ثم مقارنة ذلك بالعمالة السعودية من حيث التكلفة، إلى ذلك تجد أن العامل الأجنبي يقبل بأجر لا يزيد على خمس ما يمكن أن يقبل به السعودي، خاصة إذا ما قارن السعودي هذا الدخل بما يحصل عليه سعودي آخر في وظيفة حكومية لا تطالبه بإنتاجية عالية أو المخاطرة بفقدان الوظيفة، فيما إذا قصر في عمله، فحتى لو قبل الشاب السعودي بالعمل كمعلم مدرسة خاصة أو الأماكن التجارية الكبيرة تجده في حالة ترقب وانتظار إلى حين الحصول على وظيفة حكومية. الفرص الأحسن في القطاع الحكومي وحالة الترقب هذه تسهم في حالة ضياع للكثير من الطاقات البشرية السعودية التي يمكن أن تأخذ مكانها في القطاع الخاص.
الصفة الأخرى للحالة العمالية في المملكة هي الحديث عن التعليم والمناهج، وكأن هذا هو سبب قصور سياسة السعودة ولكن كل مراقب للسوق العمالية في المملكة يعرف أن الغالبية من الأجانب في المملكة ليس لديهم تعليم خاص أو حتى قدرات مهنية، بل إن العامل الحاسم في قرار التوظيف هو الاستعداد للعمل بتكاليف زهيدة مالياً، هذه التكلفة مالياً تخفي تكلفة اقتصادية كبيرة على الاقتصاد الوطني، ولكن تجد الكثير من رجال الأعمال في المملكة والمستفيدين من هذه الهيكلية في سوق العمل (التي تخدم مصالحهم ولا تخدم بالضرورة أعداداً كبيرة من السعوديين) يجادلون ويرغبون في فتح باب الاستقدام على مصراعيه، الحجة في ذلك ليس البناء المنظم للاقتصاد بل المنافسة السطحية مع دبي، بينما الحجة الفعلية مزيد من اللوم للحكومة إلى مزيد من المصالح الشخصية التي تهمش كثيراً من دور العمالة السعودية.
يحبذ أن تبقى المشاريع الكبيرة في البنية التحتية والعمالة المنزلية لعدة سنوات في وضع خاص ثم يطبق عليها جميع السياسات العمالية دون أي استثناء. لدينا نمو سكاني يقدر بنحو 3 في المائة، وهذا عال، كما أن هناك نحو خمسة ملايين طالب وطالبة في سلك التعليم، أي نحو ربع مليون سنوياً سيشاركون في سوق العمل، إضافة إلى مستوى البطالة الموجود فعلاً، ولذلك هناك حاجة ملحة إلى سياسة عمالية أكثر وضوحاً، فمرحلة المراهقة الاقتصادية ولدت وحان الوقت لسياسة عمالية تخدم المواطن السعودي المتوسط التعليم ودونه بغرض الاستفادة منه اقتصادياً وإفادته التي تفيد الاقتصاد.
إن الهدف هو الوصول إلى سياسة عمالية تخدم الناس والاقتصاد من خلال الحد من الاستقدام والمنافسة الصحية بين السعوديين على تطوير المهارات ورفع الأجور في القطاع الخاص، وتحسين التعليم في الكثير من النواحي التي تتطلب معرفة علمية وفنية أعلى، والخروج من الطرق التقليدية، فمثلاً في المجال المالي لماذا لا يبدأ المعهد المصرفي في تقديم دورات خاصة في الصناعة المالية مثل المصرفية والتأمين وغيرهما من المجالات المالية لكي نسد باب الذرائع على هذه البنوك والمؤسسات المالية من قول إنه ليس هناك كادر سعودي مؤهل. فمؤسسة النقد مصلحة حكومية لها دور يتعدى دورها التقليدي في ظل الحاجة والظرف الخاص والوفرة المالية لديها. لا يمكن أن تحل مسألة العمالة من زاوية واحدة، فلا بد من ضرائب (تحدد حسب نسب السعودة) على البنوك والشركات (خاصة في مجال المبيعات) حتى يتمكن المواطن السعودي من أخذ مكانه في هذه المؤسسات الوطنية (أي نحو 90 في المائة) من الوظائف، ورفع الأجور سيزيد من عوائد الشركات السعودية في المدى الطويل من خلال إنتاجية أعلى واستعمال أفضل لرأس المال.