التطور الاقتصادي والاستثماري يحتاج لمضاعفة عدد القضاة

التطور الاقتصادي والاستثماري يحتاج لمضاعفة عدد القضاة

[email protected]

نبحث هنا المطلب الرابع والأخير لتحقيق النهضة العدلية بإذن الله وهو
رابعاً: زيادة عدد القضاة.
تواجه الدولة اليوم مشكلة قلة الإقبال على القضاء بل وتسرب القضاة خارج سلك القضاة بسبب طلب العلم أو العزوف عنه لما وجدوه من مشقه بل تهجم غير عادل من البعض. ولا يعقل أن يكون في المملكة وبهذا العدد من السكان ما يقارب ألفي قاض بينما في دولة عربية صغيرة جدا ما يقارب ثلاثة آلاف قاض. هناك ما لا يقل عن سبعمائة ألف قضية تنظرها وزارة العدل فقط. كيف ترجو العدل التام من قاض لا يجد كاتب الضبط المؤهل علماً وخطاً وإخلاصا ولا يستطيع التفرغ للبحث واستذكار العلم أو قضاء شأنه الخاص ومطلوب منه عدد محدد من الجلسات ومطلوب منه المتابعة مع محكمة التمييز، والالتزام بالضوابط الإدارية في وجود خصوم ينطبق عليهم القول (كيفما تكونوا يولي عليكم). وتفرغ القضاة لعدة أشهر سنويا لاستذكار العلم والبحث العلمي أمر مهم للغاية يعزز قدرات القضاة ويعينهم على الاطلاع على مستجدات الحياة. نعلم جميعا أن التنظيم الأخير للمحاكم - وهو قفزة كبرى إلى الأمام نأمل ألاَّ تجد العوائق الروتينية - يستدعي وجود أضعاف العدد الممكن حاليا من أصحاب الفضيلة القضاة.لماذا لا يستعان بنخبة من القضاة الشرعيين حملة المؤهلات العليا من جميع الدول الإسلامية خاصة من الأزهر من مصر و من الشام؟ ألم يكونوا خير معين بعد الله في المعاهد العلمية ومعهد القضاء العالي ثم جامعة الأمام محمد بن سعود؟ بل إنهم - رحم الله من مات منهم وبارك في عمر الحي - كانوا ولا يزالون خير عون لدار الإفتاء مع نخبة علماء المملكة.لا أعتقد أن مسالة السعودة التامة قضية أساسية هنا خاصة أن دورهم سيكون استشارياً. أليس تعدد الآراء رحمة؟ سيجلب هؤلاء العلماء خبرتهم الشرعية والقانونية مطعمة بالحس الإجرائي المطبق في بلدانهم بما يحقق مزيدا من العدالة. لقد ذهل نخبة من القضاة في ولاية فرجينيا وكولومبيا في الولايات المتحدة عندما قام المعهد الإسلامي في واشنطن وبناء على طلبهم بالاطلاع على أمهات كتب الفقه المترجمة واستغرب هؤلاء كيف يكون عند المسلمين هذا التشريع الرفيع وهم يعيشون هذه الأزمات! وأعتقد أن المشكلة ليست في الدواء لكن في الطبيب والممرض المناسب وأسلوب استخدام الدواء.
المطلوب حوافز للقضاة والتوسع في التعيين بالترشيح على أن يرشح القاضي من عدد من أصحاب الفضيلة والتوسع في إنشاء معاهد القضاء العالي في مناطق المملكة كافة وأن يكون لكل قاض مستشارون قضائيون أو أكثر لإعانته وتسديد حكمه. وهذا معلوم أنه أمر طويل ومتوسط لأجل. القراء الأعزاء.
القول إنه ليس بالإمكان أفضل مما كان غير مقبول. لم تقم دول الحضارة الإسلامية وتمتد حتى سقوط الدولة العثمانية إلا بفتح باب الإبداع والاجتهاد وليس (الابتداع). لقد ترجم الغرب ما وصل إليه المسلمون في علوم وفنون أسس عليها حضارته الحالية. حكمنا الأرض بسعة الأفق وتقبل الآخر والدعوة إلى الله بحسن الأثر.عندما دخل نابليون مصر أراد أن يقنن ويشرع، فلما وجد تشريعاً معمول به للأحوال الشخصية على المذهب المالكي أخذ منه وجعله أساساً لقانون الأحوال الشخصية الفرنسي القديم. محكمة المياه في فالنسيا في إسبانيا مازلت معمولاً بأنظمتها الإسلامية إلى اليوم وتجتمع كل يوم جمعة للنظر في قضايا المياه وقد حضرت إحدى جلساتها. السبب هو أن الإسلام دين كل زمان ومكان والسبب الثاني التفوق الإجرائي الإسلامي منذ ثمانمائة عام. أيعقل أن تكون دول القوانين الوضعية متميزة عدلياً ودولة الإسلام لا تواكب عظمة دينها وموقعها الإنساني العالمي؟!
إذا أردنا ألاَّ نخرج أموالنا لغير بلاد الإسلام وإذا أردنا أن نكون مثلاً يضرب في العدل ,إذا أردنا أن يكون العدل السعودي من أبواب الدعوة إلى الله، وإذا أردنا أن نكون مدرسة عالمية لتطبيق العدل وشرع الله، وإذا أردنا أن يكون المقيم المسلم وغير المسلم أخاً وصديقاً يحبنا كما يحب نفسه ويقبل على ديننا من دون دعوة بل بالقدوة, فلنعمل بعض ما ذكرت. وفي هذا الصدد ونحن في مجال العدل فإنه من العدل أن أشكر الجهود غير المسبوقة لوزير العدل على ما أسميه النهوض المهني العلمي والعملي والنوعي بمؤسسة العدل في المملكة فقد تم في السنوات الثماني الأخيرة إنجاز أنظمة وتشريعات وتطوير لم يتم في السبعين سنة الماضية من عمر المملكة المديد. ولكن أرجو ألاَّ يفوت معاليه طلب الميزانية الكافية خاصة ونحن بحمد الله في فترة رخاء لبناء محاكم ومقرات الوزارة كافية كما تخطط المطارات للخمسين عاماً المقبلة والتوسع في استخدامات التقنية والتعليم والتدريب المتخصص. هذا وقد كانت ومازالت أهمية القضاء والقضاة من أولى أولويات الخلفاء والحكام والسلاطين عبر التاريخ الإسلامي بما لهم من دور في إبراء ذمة ولي الأمر وتحقيق العدل وازدهار مؤسسة الحكم.

الأكثر قراءة