نظام العمل والسعودة من أين يبدأ الحل ـ العدالة في الأجور (1)
هل قُدّرعلى الدكتور القصيبي أن يمارس العمل الوزاري في أكثر الوزارات جدلا وملامسة لهموم المواطن البسيط، وهل قدره أن يمارس دور الدفاع عن حقوق البسطاء الذين يرغبون فقط في حياة كريمة. ولكن وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي يقودها في وزارة العمل لإنجاح مشروع السعودة، إلا أن المشكلة، في نظري، أكبر بكثير من قضية إجبار رجال الأعمال على قبول خيارات الحكومة. القضية قضية النظرية الاقتصادية نفسها ومدى انسجامها مع الحلول التي نقدمها.
فالعمل من أكبر القضايا الجدلية في علم الاقتصاد وأحد الأسباب الرئيسية في تنازع النظريات واختلافها. ولقد تسببت تغيرات منحنيات العرض والطلب واختلاف نقاط التعادل لهذه السلعة الاقتصادية المهمة في تحولات جذرية في النظرية الاقتصادية، فمن الرأسمالية إلى الاشتراكية ومن توازن العمالة الكاملة إلى العمالة الناقصة، ومع ذلك فلا يوجد حل جذري أو سحري وكأنها سنة الله. فلا يمكن إجبار الاقتصاد - في هذه القضية بالذات - على الانصياع لأوامر هذا أو ذاك مهما بلغت القوى الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية المؤثرة، وحتما – إذا أجبر الاقتصاد على خيارات غير سليمة - فسينقلب السحر على الساحر ولنا في الاتحاد السوفياتي عبرة. وهذا يعني أننا لن نستطيع إجبار رب العمل على نوعية معينة من العمالة في الوقت الذي تضج السوق بعرض متنوع ومنافسة حادة. فهذه السوق، أي سوق العمل، تتمتع دوما بعرض كبير جدا وخاصة من دول شرق آسيا التي استطاعت أن تغزو العالم بتصدير العمالة المدربة أو القابلة للتدريب مع انخفاض جوهري في التكلفة إلى حدود قياسية، الأمر الذي ولد تحديات كبيرة ليس على السعودية فقط بل العالم بأسره وخلق سلسلة مشاكل العولمة واقتصاديات ما وراء الأسواق. وإذا كان بند الرواتب والأجور من أكثر البنود إرهاقا لأي مؤسسة صغيرة أو كبيرة، حكومية أو خاصة، فإنه وللبقاء في المنافسة – فقط - تعد القدرة على خفض قيمة هذا البند ميزة تطمح إليها كل مؤسسة. لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يوقفنا هو لماذا – في ظل أننا لسنا الوحيدين الذين نواجه مشكلة زيادة المعروض العالمي من العمالة - لا تواجه بقية دول العالم مشكلة مثل السعودة؟ لماذا لم نسمع عن مشكلة الأمركة أو الألمنة أو الفرسنة .. إلخ؟ ولكن السؤال يحتاج إلى تعديل للإجابة عنه، وأرى أن السؤال الصحيح هو كيف استطاعت دول العالم أن تتعامل مع قضية زيادة المعروض العالمي من العمالة؟
نعم, لم تسلم دول العالم المتطورة اقتصاديا أو الدول النامية ذات الثروات الطبيعية من مشكلة العمالة الفائضة واختلاف سعر وحدة العمل. ولكن هناك من كان لديه منظومة اجتماعية واقتصادية وقانونية وقضائية كاملة وهناك من يفتقد لهذه الميزات، وبالتأكيد فقد اختلفت المشاكل بحسب مستوى التطور في هذه الجوانب. فالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان لم تواجه مشكلة مثل السعودة وإن كانت واجهت مشكلات أخرى تتمثل في نقل المصانع وحركة رأس المال باتجاه شرق آسيا. هذه الدول تتمتع برقابة المؤسسات العمالية التي تحافظ على مستويات محترمة من الأجور في شتى القطاعات, وتضغط على الدوائر السياسية لتحقيق مكاسب أكبر للعمال بغض النظر عن الجنسية أو الهوية أو الدين. وفي المقابل هناك اتجاه رأسمالي قوي جدا ومؤثر خلق توازن اللعبة العادلة. فلا توجد مشكلة أجر العامل الآسيوي الذي يقل بدرجة جوهرية عن أجر العامل الأوروبي, فالكل عمال في نظر القانون لهم حقوق متساوية وهناك حدود دنيا للأجور وبذلك فإن السوق متاحة للمنافسة والبقاء للأفضل والأجدر.
بالمقابل فإن الأمر مختلف جدا لدينا، فالتباين كبير في سعر وحدة العمل بين العامل الأجنبي والسعودي، فلا لوم على رجل الأعمال في سوق حرة أن يختار العامل الذي يحقق له الميزة التنافسية. فالقضية إذا قضية عدالة في الأجور، عدالة تعتمد على عنصر العمل وليس الجنسية. كما أن على الحكومة أن تعلن نفسها كأحد اللاعبين في سوق العمل وليس لها دور لعبة التوازن، فعندما تحتاج الدولة إلى خدمات العمال فإن عليها أن تلجأ إلى سوق العمل لعرض طلباتها وتأخذ احتياجها فقط وعلى بقية طالبي العمل عرض أنفسهم بطريقة جدية والحصول على مؤهلات وتدريبات تتناسب واتجاهات السوق. فالقضية كما أراها ليست قضية امتناع القطاع الخاص عن المشاركة في حل قضية البطالة أو ازدياد اعتمادنا على العمالة الوافدة، بل هي قضية اقتصادية أولا وثانيا، ولابد أن يبدأ الحل من هنا. فعندما نضمن مستويات أجور عادلة بغض النظر عن جنسية العامل مع فتح السوق للمنافسة العادلة فإن رجال الأعمال سيتجهون طوعا إلى اختيار السعودي لما يحققه من فوائض جيدة في أمور مهمة جدا مثل السكن والمواصلات وتكلفة التدريب واللغة والتأشيرات وتكلفة السفر, ويمكن للدولة أن تتحكم في المعروض الأجنبي من العمالة بوسائل عدة. هذا يقود إلى قضية أكثر جدلية فهل نحن في حاجة إلى وزارتين لسوق العمل – وزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية – وسأناقش هذا وموضوع المنافسة العادلة في سوق العمل في المقال المقبل إن شاء الله.