عندما ينطق الوزير!

[email protected]

ذكر وزير التعليم العالي أمام مجلس الشورى أن هناك خطة لاستيعاب جميع خريجي الثانوية العامة في الجامعات على مدى ثلاث سنوات. السؤال الملح: هل الوزير يرغب في ذلك أملا في إرضاء الرغبة العاطفية العامة لكل والدين في إرسال أولادهم أو بناتهم إلى الجامعات أو أنه جزء من خطة استراتيجية للأخذ بالبلاد إلى مستوى أعلى من التنمية؟
لقد سبق أن تساءلنا في مقالة سابقة حول مأزق التعليم العالي في عدم وجود خيار استراتيجي واضح المعالم، ولكن الآن نطق الوزير وتعهد بضم الجميع للتعليم الجامعي، وبهذا سنتأكد من أن جودة التعليم العالي لن ترتقي. لقد تغلبت العاطفة مرة أخرى على العقل والمصلحة الوطنية.
مرة أخرى لقد قررنا رسميا فصل مخرجات التعليم الجامعي عن متطلبات العمل والأعمال، لأنه لا يمكن أن يمرر قرار شمولي حول التعليم العالي دون انسجام مع سياسة العمل والعمال ورسم الأولويات الاقتصادية مع مثل هذا القرار "هنا ربط وثيق بين سياسات التأشيرات ومخرجات التعليم وتأثيرهما في سوق العمل، لذلك لا يمكن فصلهما". هنا إدراك ليس بالإيجابي حول ثلاث مسائل لا يمكن فصلهما عن بعض، الأولى تدور حول الشك في مدى تطابق أغلبية مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، الثانية حول جودة التعليم من بيئة إلى أساتذة إلى معامل إلى مبان في بعض الأحيان، والثالثة إلى انفراد وزارة بعينها بقرارات في طبيعتها متشابكة ولم يمكن فصلها عن سياسة تنموية شاملة.
تاريخيا تميزت المملكة في تفاديها السياسات الشمولية العاطفية فيما يخص القرارات الاقتصادية "وهذا القرار اقتصادي في نهاية المطاف"، التي أخذت بها الكثير من الدول العربية وغيرها، التي تأثرت بالمد الاشتراكي، وبذلك استطاعت المملكة إيجاد بيئة أكثر تناسبا مع اقتصاديات السوق وما لذلك من دور إيجابي في تطوير الأعمال والاقتصاد في المملكة.
المزعج في الموضوع أن قرارات بيروقراطية إدارية في تكوينها وتنفيذها تأخذ دورها مع الوقت كبديل لسياسات تنموية اقتصادية نحن في أمس الحاجة إليها، وبهذا بدأت وزارة التعليم العالي في إهدار هذا الرصيد. هذا التراقص بين ما هو إداري خير في مظهره، ولكنه استراتيجي في جوهره لظاهرة يجب التنبه إليه، وما هذا القرار إلا مثال.
لعل هذا أحد القرارات المهمة التي سننظر تاريخيا إلى أهميته وأنه لم يعط حقه من النقد والنقاش في الوقت المناسب. توافر مخرجات جامعيين بأعداد كبيرة دون جودة في التعليم سيسهم في إيجاد سوق عمل غير مرنة "ارتفاع سقف التوقعات عند هؤلاء مصحوب في ضعف القاعدة التعليمية لدى الغالبية منهم" وهذا يفاقم إشكالية البطالة.
علينا إعادة النظر في دور التعليم الجامعي في معادلة التنمية الاقتصادية لكي نثري الاقتصاد ونشبع رغبات خريجي الجامعات مهنيا واقتصاديا. لقد ذكر الدكتور عبد الرحمن الحميد على صفحات هذه الجريدة ملاحظة نافذة في التفريق بين التعليم "شهادات" والتطوير المهني لخريجي الجامعات، فعلى الجميع الاختيار بين التعليم والعلم أو المهنة "مما يتطلب التعمق في تطوير الشخص لذاته من خلال الحصول على المؤهلات المهنية المتخصصة كل في مجاله كـ CPA وCFA وغيرهما في الطب والهندسة وكل المجالات"، فالكيف أهم من الكم. هذا المنظار البيروقراطي وتفادي التفكير من خارج الصندوق سندفع ثمنه الباهظ مجتمعيا "حكومة وأفرادا".
ليس حل التعليم في التوسع الجغرافي والأفقي فقط، إنما بالتركيز والتعمق والوعي بالفصل ذهنيا بين الرغبة في العلم والبحث والحياة الأكاديمية من ناحية والحياة المهنية من ناحية أخرى. التوسع الأفقي يعمل على ضياع هذا وذلك. إذا كانت لدينا صعوبات في توفير أساتذة قانون مؤهلين في المدن الكبرى، فمن أين سنجدهم في المدن الصغيرة؟
الجدير بالذكر أن هذا التوجه أتى بعد تبرع الملك بتطوير مراكز لأبحاث تقنية النانو "ناقشناها في مقالة سابقة" وبعد الإعلان عن فتح مراكز أبحاث أخرى في بعض الجامعات السعودية، وهذا لا شك توجه إيجابي، ولكن هل جهاز الوزارة قادر على إدارة "ميزانية .. أجهزة رقابية .. طاقة بشرية" هذا التوسع الأفقي على حساب التعمق الرأسي؟ كما أن التوسع الأفقي يعمل على ضياع مصداقية التعليم الجامعي، حيث إن حصول الكل على شهادة جامعية لا بد أن يخفض المستوى العام إلى الحد الأدنى، وبذلك سيصعب معرفة وتقييم الكفء من غيره.
أحد الحلول هو التركيز على ثلاث جامعات فقط، لكي نتمكن من إيجاد طاقم فني تكنوقراطي مؤهل لخدمة التنمية والاقتصاد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي