"تأمين المركبات"..غموض في الإجراءات والتنظيمات يهدد الشركات
في اجتماعه المنعقد يوم الإثنين 25 ذو الحجة 1427هـ الموافق 15/01/ 2007 وافق مجلس الوزراء على ما رفعه وزير الداخلية بشأن تعديل البندين (ثانيا) و(ثالثا) من قرار مجلس الوزراء رقم (222) وتاريخ 13/8/1422هـ حيال التأمين على المركبة بدلا من التأمين على رخصة القيادة بحيث يتم الإلزام بالتأمين التعاوني تجاه الغير على المركبات الخاصة بالأفراد والمؤسسات الخاصة والشركات دون استثناء على أن يستمر العمل بوثائق التأمين الحالية على رخصة القيادة حتى انتهاء سريانها.
وبحسب هذا التعديل، يسمح لأي شركة يرخص لها في السعودية بمزاولة نشاط التأمين التعاوني بالقيام بالتأمين على المركبات بشرط التأكد من مقدرة تلك الشركات وتوافق نشاطها مع متطلبات هذا النوع من التأمين.
في تصوري، هذا القرار يعد نقلة نوعية في تاريخ التأمين الإلزامي على المركبات في المملكة ودليلا على سعي الدولة الدائم لإصلاح وتطوير الأنظمة والتشريعات لتتوافق مع الأنظمة العالمية، فالسعودية جزء مهم من العالم ومقصد لجميع المسلمين براً وبحراً وجواً، لذا لا يمكن لها العيش بمفردها بأنظمة تأمينية فريدة. لقد كانت السعودية الدولة الوحيدة التي لديها نوعان من التأمين الإلزامي على المركبات: الأول هو التأمين على رخصة القيادة لتغطية حوادث المركبات السعودية، والثاني التأمين على مسؤولية المركبات الأجنبية العابرة للأراضي السعودية.
تأمين الرخصة والاستغلال
وكما نعلم فإن تأمين الرخصة أسيء استغلاله وترتب عليه آثار سلبية لجميع الأطراف المشتركة في هذا التأمين، وأدى إلى عواقب غير مرغوب فيها. ساعد على ذلك أن وثيقة تأمين الرخصة يتم إصدارها دون الحاجة إلى إثبات المصلحة التأمينية التي تمثل الحق القانوني في التأمين الناشئ من علاقة مالية بين المؤمن له والشيء موضع التأمين. وعليه فإنه بمجرد ملكيته وثيقة التأمين يصبح من حق المؤمن له قيادة سيارة شخص آخر، بل إن البعض يحل محل أي شخص غير مؤمن في حال اشترك الأخير في حادث مروري. إن الكثير من الأشخاص في بداية إلزامية التامين قاموا بذلك بوعي أو دون وعى وبطريقة تطوعية مما زاد مؤثر الخطر المعنوي. وقد شجع هذا الوضع البعض على البحث عن ربح من التامين دون تعرضهم لخسارة.
وإذا كنا نتوقع أن يسهم التعديل الذي أجراه مجلس الوزراء بإحلال تأمين مسؤولية المركبات محل تأمين الرخصة في القضاء على الكثير من الظواهر السلبية التي أشرنا إليها، فإننا نعتقد أن هناك الكثير من الأسس القانونية والفنية والإجرائية التي تحتاج إلى تسليط الضوء عليها وتعديلها في اللوائح التنفيذية والآليات المنظمة لعملية التطبيق. واستعرض هنا أهم الأسس التي يمكن إعادة النظر في شأنها لضمان تحقيق هذا القرار الأهداف المرجوة.
الأسس القانونية
عندما نستعرض الأسس القانونية لنظام التأمين الإلزامي لمسؤولية المركبات، فأود أن ألفت الانتباه إلى ضرورة سن اللوائح التنفيذية التي توضح كيفية عمل هذا النظام وتوفير قضاة متخصصين في التامين ومحكمين ذوى خبرة تكون تقاريرهم مشرفة أمام شركات إعادة التامين العالمية. إن مثل هذه الخطوة سوف تسهم في سد الثغرات التي منها عدم ورود ذكر لحقوق المتضررين في حالة توقف الشركة عن النشاط مثلما حدث مع شركة ميثاق للتأمين والشركة السعودية الأوروبية للتأمين، بالإضافة إلى حقوق حملة الوثائق سارية المفعول في استرداد الجزء النسبي من القسط المدفوع لتلك الشركة.
هناك أيضاً بعض الإشكاليات القانونية فيما يتعلق بسقوط الحق بالتقادم حيث لم يوضح النظام شرعية ذلك، كذلك في حالة وفاة السائق (المؤمن له) المتسبب في حادث ورفض بعض القضاة الحكم عليه بدعوى عدم صحة الحكم على غائب مما يضاعف معاناة المتضررين، إضافة إلى رفض القضاء تطبيق مبدأ الحلول إلا بوكالة "رغم أن المؤمن يحل محل المؤمن له بموجب عقد التأمين بمجرد التعويض أو حتى قبل ذلك".
تأخر البت في القضايا
ولا نستطيع أن نغفل البطء الشديد في إنهاء القضايا مما يتسبب في تعطل عجلة الاقتصاد والاحتفاظ بأموال تقديرية طائلة من قبل شركات التامين تفوق المبلغ الواجب دفعه غالبا حتى انتهاء القضاة من تحديد الأروش (الإصابات) والوفيات. إذن من الضروري النظر بآلية جديدة لمن يحق له النظر في قضايا التأمين وإيضاح الجهة المسؤولة عن تلك القضايا، حيث إن كثيراً منها يحال إلى المحاكم ويتأخر القضاة عن النظر فيها ثم تحال بعد فترة طويلة إلى لجنة فض المنازعات بدعوى عدم الاختصاص القضائي.
وبينما يجب تأكيد أن التأمين يغطي المسؤولية المدنية فقط وليست الجنائية، فإنني أؤكد ضرورة خضوع أصحاب المهن الحرة المتعلقة بالتأمين وإعادة التأمين لمتطلبات قانونية محددة كما هو معمول به عالميا لأن عليهم مسؤولية توفير مستوى عال من الخبرة والدراية والنصح في مجال إدارة الأخطار، ويجب خضوعهم للإشراف الرقابي مثلما يخضع أعضاء هذه الفئة كما في بريطانيا لجمعية المؤمنين البريطانية ABI.
الأسس الفنية والتأمينية
وإذا تناولنا الأسس الفنية والتأمينية لنظام تأمين مسؤولية المركبات الإلزامي فإنني أود الإشارة بداية إلى تكرار ذكر المنتفعين بالتأمين فى الوثيقة الموحدة للمركبات، وهذا المصطلح من وجهة نظري غير دقيق. فمن المعروف أن عقد التأمين هنا يقصد من ورائه التعويض عن الخسارة وإعادة المؤمن له في الوضع المالي نفسه الذي كان عليه قبل تحقق الخسارة لا أكثر والا اقل، أي أنه لا ينتفع من التأمين فلا يحصل المتضرر على أي تحسينات جراء الحادث، أي أنه يجب أن يكون حجم التعويض مساو لحجم الضرر، وإذا كان هناك منتفع من التأمين فسوف تزيد المطالبات غير الشرعية من قبل ضعاف النفوس عن طريق الاحتيال وبخاصة في وضع سوق الأسهم وما يشهده من ركود، لذا فإنه لا يجب ترسيخ مفهوم الانتفاع من التأمين في المفاهيم العامة كون قسط التامين يدفع لنقل الخطر وراحة بال المؤمن له وليس للانتفاع (علما بأن ذلك لا ينطبق على تأمين الحياة لأنها وثائق منفعة).
مطلوب مكتب لمؤمني المركبات
أيضاً استثناء قيادة السيارة من قبل شخص غير مسموح له بقيادتها، فمثلاً إذا قام أحد الأشخاص بسرقة السيارة وتسبب خلال ذلك في وفاة شخص أو إصابته وهرب المتسبب فمن سوف يقوم بتعويض الضحية (المتضرر)، هنا يجب إنشاء مكتب مؤمني المركبات Motor Insurance Bureau تشترك فيه جميع شركات التأمين المعنية للتصدي لمثل هذه الحالات والحالات الأخرى المستثناة في الوثيقة.
وإذا عدنا لصياغة الوثيقة الموحدة لمسؤولية المركبات وبالتحديد الشرط رقم 10، أرى من الأفضل إعادة صياغته بحيث يكون "لا يجوز لشركة التامين أو للمؤمن له إلغاء عقد التأمين الإلزامي للمركبة إذا كان ترخيصها قائما ما لم يحل عقد تامين إلزامي آخر محله، وفي حال إلغائه يحق للمؤمن له أن يسترد من الشركة مبلغاً من قسط التأمين يتناسب مع المدة المتبقية من مدة العقد ما لم يكن متسببا في حادث خلال مدة العقد" وهذا الشرط جيد بحيث يحد من تحايل بعض الأشخاص على النظام بالتأمين فقط لإنهاء الإجراءات المرورية وبعد ذلك يتم إلغاء التامين.
هناك تدخل بين شرطي التأمينات: الأخرى ـ تعدد مصادر التأمين. فهو باختصار مبدأ المشاركة وهو حق شركة التأمين في مطالبة شركات التأمين الأخرى التي تغطي السيارة نفسها بالمثل ولكن ليس بالضرورة بالتساوي معها في تكاليف التعويض. ولكن لم يوضح هذا الشرط في الوثيقة إذا كانت التغطية مختلفة. مثلا تامين شامل لدى شركة ويوجد بوثيقتها شرط عدم المشاركة أو شرط الأكثر تخصصا وضد الغير لدى الأخرى، فكم سوف تتحمل كل شركة وهل سيجيز النظام مثل هذه الشروط في وثائق التأمين الشامل؟
كذلك شرط اتخاذ الاحتياطيات المعقولة لحماية السيارة من الفقدان أو الضرر وأن يبقيها المؤمن له بحالة تسمح له بقيادتها على الشوارع العامة وهذا سوف يساعد على إيقاف ترخيص السيارات المتهالكة التي يرتفع فيها الخطر، وبذلك ندعم قطاع المواصلات العامة لمساعدته على تحسين البنية التحتية الحالية.
تأمين المعدات
وأشير هنا إلى عدم وجود ما يفيد التأمين على السيارات التجارية والأنواع الخاصة من المركبات مثل الجرافات والحفارات والآلات الزراعية والسيارات الحكومية، وهل هناك جهود تبذل لإصدار وثيقة موحدة للتأمين على تلك الأنواع من المركبات؟ علماً بأنه لا يوجد مراجع دقيقة تحدد وزن السيارة ولا السعة الإركابية للسيارة كما هو معمول به في بريطانيا، كما أن عبء إثبات الخسارة وسببها يقع على كاهل المؤمن له ولا يطبق من جهات الاختصاص.
اللوائح والتنظيمات الإجرائية
تحدد اللوائح والتنظيمات الإجرائية الطريقة التي يدار بها هذا النوع من التأمين على أرض الواقع، لذلك يجب أن تكون تلك التنظيمات واضحة ودقيقة وشاملة بحيث يكون واضحاً للجميع الإجراء المتبع في كل حالة من الحالات، ومع ذلك هناك بعض الحالات لا تكون فيها الإجراءات واضحة منها على سبيل المثال السيارات المسروقة التي لا تستطيع الشرطة استردادها، أو نتائج تحقيق الدفاع المدني التي تعزو دائما سبب أي حريق إلى التماس كهربائي وغالبا ما يخالف ذلك تقارير مقيم الخسائر. هذه المواقف غالبا ما تضع شركات التامين في موقف حرج أمام معيدي التامين خصوصا أن هناك أنواعا معروفة من السيارات تكرر احتراقها عام 2006 خلال توقفها والمحرك لا يعمل. في مثل هذه الحالات، من الجهة المسؤولة عن تسجيلها ومن سيدعم شركات التأمين بمطالبة الصانع بالتعويض عن هذه الحالات لإيقاف هدرها الاقتصادي؟
هناك أيضاً ملاحظات حول بعض الإجراءات التي تتخذها إدارات المرور منها احتجاز بعض إدارات المرور المؤمن له لحين إحضار خطاب من شركة التأمين أو حضور كفيل للحق الخاص رغم أن وثيقة التأمين تكون سارية المفعول وتكفل ذلك. كذلك لا توجه إدارات المرور إلى تحليل دم السائق حتى وإن وجد معه ممنوعات كما في دول أخرى ولا نعلم ما هو سبب ذلك مما يصعب معه تطبيق بعض استثناءات الوثيقة. وبهذا الصدد نؤكد ضرورة تبادل المعلومات عن طريق الربط الإلكتروني بين جميع إطراف العملية التأمينية وبالتالي يمكن ربط سعر التأمين بسجل المخالفات والحوادث مع التأكد من تفعيل العملية التامينية بحيث لا تسير مركبة على الطريق دون تامين خلافا لما حصل في تأمين الرخصة.
ويمكن أن يتم هذا الربط الإلكتروني عن طريق إنشاء مركز معلومات سيارات شبيه بمركز MIIC الموجود في بريطانيا. إن هذا الربط الإلكتروني سوف يساعد أيضاً على زيادة تعاون شركات التأمين ودعم قدرتها على قياس الأخطار والتقليل منها كاشتراط وجود دعامات أسفل الشاحنات المرتفعة لتقلل من أثر الحوادث والإصابات. نحن نتطلع إلى أن يؤدي تطبيق هذا النوع من التأمين الذي يماثل النظم المطبقة في الدول العربية المجاورة إلى دخول المملكة في اتفاقية البطاقة البرتقالية التي توفر الحماية لسيارات المواطنين أثناء عبورها الدول العربية المشتركة في تلك الاتفاقية.
على أية حال، إن تطبيق نظام التأمين على مسؤولية المركبة سوف يؤدي إلى توفير المزيد من فرص العمل للمواطنين وسيزيد الطلب على الكوادر الوطنية وهذا يتطلب أن تضع وزارة التعليم العالي خططاً تعليمية لتخريج كوادر مؤهلة في التأمين أو لاحتواء عودة المبتعثين ووفرة بعثات متخصصة في هذا القطاع كون التأمين سيوفر فرص عمل كبيرة، وأقترح أن تتبنى الجامعات السعودية فكرة استبدال مادتي الكوبول والباسكال بأسس التأمين.
شركة نجم
تمت أخيرا الموافقة على تأسيس شركة نجم لخدمات التأمين. هذه الشركة ستحل محل رجال المرور في متابعة الحوادث وتحديد نسب المسؤوليات وتقدير قيمة الأضرار. ولا شك أن قيام الشركة بتعيين خبراء على مستوى عال وحيادية يساعد على تحديد نسب المسؤولية في الحوادث المرورية كما هو معمول به عالميا وبطريقة بعيدة عن التقنيات والأنظمة القديمة والاجتهادات الشخصية المستخدمة حالياً، كما أن قيام شركة نجم بإجراء تقدير الحوادث المرورية والتعويضات سوف يحد من عيوب عدم دقة وموضوعية التقييم سواء من المعارض أو ورش الإصلاح والتي كبدت شركات التأمين خسائر فادحة، وأثرت في الأسعار وجودة وسرعة الخدمة. وسوف تكون "نجم" مصدرا لقاعدة البيانات التي توضح سجل المؤمن له لمساعدة مكتتب التأمين ولتيسير عملية البيع الإلكتروني.
ولكي يكتمل الدور الذي تقوم به شركة نجم في خدمة قطاع التأمين فمن الضروري أن تقوم بعدد من الإجراءات التي نراها مهمة في إطار ممارسة نشاطها، منها على سبيل المثال الاحتفاظ بقائمة أسماء من ثبت عليهم الاحتيال على شركات التأمين والسعي لإيجاد قانون يجرم الاحتيال، وتسريع عملية المقاصة بين شركات التأمين، وإيجاد آلية لتسريع عملية الاسترداد للأفراد، كربط معلومات الأشخاص المدينين لشركات التأمين بالسجل الائتماني لدى البنوك، وكذلك إيجاد آلية لمطالبة المقاولين ووزارة المواصلات في حال وجود أخطاء في أعمال الطرق كما هو موضح بالصور المرفقة وأن تكون الحكم في مطالبة وكلاء السيارات ومصنعي الإطارات في حال ثبوت العيوب المصنعية. شركة نجم مطالبة أيضاً بالعمل على إيجاد آلية لنقل ملكية سيارات الحطام مباشرة وبمجرد تعويض المتضرر لأهمية ذلك في الوضع الأمني الراهن.
على أية حال، إن اكتمال تطبيق نظام تأمين مسؤولية المركبات سيحتاج إلى بعض الوقت، كما يحتاج أيضاً إلى مرحلة انتقالية يتم خلالها الانتقال من تأمين الرخصة المطبق حالياً على نطاق واسع إلى تأمين مسؤولية المركبات، ولحين الانتهاء من تلك المرحلة نأمل أن تسارع الجهات المعنية لمراجعة الأفكار والأطروحات التي تناولناها في هذا المقال لدعم قدرة النظام الجديد على تحقيق الأهداف المرجوة ومن ثم تفادي أية سلبيات أو ثغرات أفرزتها تجربة تأمين الرخصة.