ربحية سهلة في القطاع المصرفي.. ولكن!
سجلت البنوك السعودية نمواً كبيراً في الأرباح من 26.6 مليار ريال عام 2005 إلى 35.2 مليار ريال لعام 2006 بنسبة 32 في المائة ولو أن أرباح الربع الأخير سجلت انخفاضاً حاداً في بعض البنوك وخاصة الأكثر اعتماداً على حجم تداول الأسهم والتسهيلات المخصصة لإقراض المستثمرين والمضاربين في سوق الأسهم وخاصة بنك الجزيرة وبنك الاستثمار، بنك الجزيرة مثلاً ربح نحو 200 مليون ريال في الربع الرابع بينما ربح 1.97 مليار ريال لعام 2006، وكذلك بنك الاستثمار الذي سجل 300 مليون ريال في الربع الأخير بينما سجل ملياري ريال لعام 2006. البنك الوحيد الذي سجل انخفاضاً هو البنك الهولندي نظراً لارتفاع المخصصات، كذلك لا يزال بنك البلاد يحاول إيجاد موضع قدم ثابت سواء كان استراتيجيا أو ربحياً. سجلت البنوك المتوسطة (العربي والبريطاني والفرنسي والرياض، لا حظ تراجع بنك الرياض إلى المراتب المتوسطة) ما مجموعه 11.5 مليار ريال، بينما سجلت البنوك الكبيرة (سامبا والأهلي والراجحي) ما مجموعه 18.7 مليار ريال، أي أكثر من نصف أرباح البنوك.
استفادت البنوك كثيراً من عدة ظروف أسهمت في ارتفاع أرباحها لعام 2006، أولها كان ارتفاع أسعار الفائدة الذي عادة ما يستفيد بنك الراجحي منه نظراً لتوافر مبالغ كبيرة دون دفع فوائد عليها، وكذلك يستفيد الآخرون نظراً لسرعة البنوك في رفع الفوائد على القروض وتباطئها في رفع الفوائد على الودائع (خاصة أن أغلب القروض مرتبطة بأسعار الفائدة قصيرة الأجل)، كما كان هناك تسييل في بعض استثمارات البنوك مما مكنها من تسجيل أرباح غير مكررة مثل بيع أسهم بنك الاستثمار التي كانت بحوزة بنك الجزيرة. كذلك استفادت البنوك من زيادة السيولة في النظام المالي (عرض النقود) مما مكنها من زيادة القروض وأيضاً كان حجم التداول في سوق الأسهم نشطاً حتى الربع الأخير من العام حينما بدأ يسجل انخفاضاً ملحوظاً، علماً أن مؤسسة النقد حاولت بجدية أكثر الحد من الاقتراض برهن الأسهم.
في البنوك المتوسطة والكبيرة تشكل القروض الشخصية واحدا من أكبر مصادر الربحية، فالقروض الشخصية تشكل نحو 40 في المائة من حجم القروض في القطاع المصرفي وبهامش ربحية مبالغ فيه (حيث إنها ليست قروضا شخصية بالمعنى المتعارف عليه في الدول المتقدمة على الأقل بسبب ضمان تحويل الراتب ومع ذلك ارتفاع هامش الربحية نظراً لتقاعس مؤسسة النقد عن حماية المستهلك)، وسبق أن حللنا هذا الموضوع في مقالة سابقة. يشكل الإقراض لمؤسسات شبه حكومية مثل سابك والكهرباء وغيرهما وشركات كبيرة معتمدة في الأساس على عقود حكومية الرافد الآخر للربحية. هذه الهيكلية الخاصة في موجودات البنوك (قروض) لا تبقى مبالغ لإقراض مؤسسة صغيرة لإيجاد قيمة مضافة جديدة في الاقتصاد (تمويل أفكار ومشاريع جديدة) مما يجعل البنوك في وضع مريح (أرباح عالية دون مخاطر تذكر والأخطر دون العمل على تطوير مهارات ائتمانية وتحليل جيدة أو طاقم فني متمكن)؛ ولذلك نحن في وضع غير عادي (عوائد كبيرة دون تطور وعمق في الناحية الائتمانية في المملكة) مما يعوق تطور الاقتصاد في المملة, حيث إن مرونة وديناميكية القطاع المالي عامل حاسم في إيجاد اقتصاد أكثر قدرة على التنافس وإيصال المال إلى أفضل من يستخدمه.
استطاعت مؤسسة النقد حماية القطاع المصرفي وتربيته حتى اشتد عوده وأصبح في وضع وتجربة تمكنه من الاستثمار في قدراته الذاتية والمساهمة في تطوير الاقتصاد بدلاً من محاولة الاستفادة فقط.
الجميع يتذكر حينما كانت أرباح البنوك مجتمعة نحو 10 في المائة من أرباحها لهذا العام وذلك قبل نحو 12 سنة تقريباً، كما حافظت السلطات المالية على عدد صغير نسبياً من البنوك وكان قراراً صائباً (أفضل من بنوك صغيرة وكثيرة)، كما تحمل القطاع المصرفي بعض الظواهر العجيبة، فقد شاهدنا رؤساء مجالس إدارات بقوا في أماكنهم حتى العجز والبعض الآخر ما زال في منصبه ولمدة تزيد على 12 سنة دون مساهمة تذكر. لعل من قائل إن هذه مؤسسات خاصة وأن الملاك هم من يقرر، وهذا مقبول إلا في حالة حماية من لدى المؤسسة أصبحت غير مبررة سواء فيما سبق وذكرناه عن تسعيرة القروض الشخصية أو السكوت عن جهود السعودة في السنوات الخمس الأخيرة، أو تفادي تمويل الشركات والمؤسسات الصغيرة.
القطاع المالي في المملكة مقبل على تغير كبير سواء في فصل نشاطات الوساطة المالية عن القطاعات المصرفية في البنوك إلى السماح بإنشاء بنوك استثمارية تحت مظلة هيئة سوق المال إلى أنظمة الرهن العقاري ولما في ذلك من فرصة في نمو سوق العقارات إلى تطوير وتأسيس شركات تأمين وإعادة تأمين وأخيراً السماح للبنوك الأجنبية. كل هذه سوف تجبر القطاع المصرفي على أن يتخلص من الكسل والرهان على سوق تسهل الربحية فيه دون جهود تذكر، ولكن التغير سوف يكون بطيئاً جداً فالحجم والعزم وثقة العامة وتغلغل المستنفعين والملاك في الجهاز البيروقراطي لن تجعل التقدم سهلاً دون تدخل مؤسسة النقد برؤية وسعة أفق ونظرة وطنية محايدة للحاجة إلى تطوير القطاع المصرفي والائتماني ولعل إحدى الخطوات الصغيرة أن تسمح للشباب والشابات السعوديين بالانخراط في دورات المعهد المصرفي من غير موظفي البنوك لإحراج البنوك في وجود الكوادر الفنية المدربة.