رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العراق وديموقراطية صناعة التشرذم

[email protected]

ما أن يفتح المرء التلفزيون أو الإذاعة أو صحيفة من الصحف إلا ويسمع خبراً حول مذبحة في العراق أو تفجير أو تهجير أو مطاردات أو انتهاك عرض أو تعذيب في السجن وتعد على الكرامة والشرف.
ترى الدمار الذي حل بالبيوت والطرقات وترى البؤس والإحباط يجلل وجوه العراقيين كباراً، وصغاراً، ذكوراً، وإناثاً تتساءل ما الذي حل بالقوم؟ فتعود بك الذاكرة إلى ما قبل ما يقارب أربع سنوات حين قرر الرئيس الأمريكي بوش غزو هذا البلد وضربه بالصواريخ والقنابل واجتياحه بمختلف أنواع الأسلحة وأفتكها والسبب المعلن هو تطوير العراق لأسلحة الدمار الشامل، لتتكشف الحقيقة فيما بعد الغزو المدمر وتتضح الصورة الجلية بخلو العراق من هذه الأسلحة ثم وبكل بساطة يفسر الأمر على أنه خلل استخباراتي وقعت فيه أجهزة الاستخبارات الأمريكية. ويبحث عن سبب آخر يعلل به العمل المشين ويتفتق الذهن الأمريكي عن فكرة العلاقة بين النظام العراقي والقاعدة وأن أفراداً من الاستخبارات العراقية التقوا بعض ممثلي القاعدة في أوروبا، وحيث لم تنطل هذه الفكرة على أحد في العالم ـ إلا على أصحابها، جاء التبرير الأخير والذي لا يزال الرئيس الأمريكي يجتره في كل خطبة وعبر هذه السنين، حيث إن الهدف من الغزو إحداث الديموقراطية في العراق وتحرير الشعب العراقي من نظام ديكتاتوري تسلط عليهم لفترة من الزمن.
ومع تكرار هذه العبارة وباستمرار من قبل المسؤولين الأمريكيين وبالذات من قبل الرئيس بوش حتى أصبحت ممجوجة وغير مستساغة ـ أصبح من اللازم التوقف عند مصطلح الديكتاتورية الذي يتعمد المسؤولون الأمريكيون وصف النظام السابق به وربطه بالديموقراطية التي بشر بها الرئيس الأمريكي العراقيين ونبؤته باستقبال الجنود الأمريكيين بالورد والأحضان.
الديكتاتورية في أبسط معانيها تعني التسلط وسلب الآخرين حقوقهم المادية والمعنوية بما في ذلك خنق إرادتهم ومصادرة أفكارهم وآرائهم والتضييق عليهم في مناشط حياتهم كافة وحرمانهم من أبسط الحقوق ومتطلبات الحياة اليومية. هذا المفهوم شائع لدى المثقفين والمتخصصين في أرجاء العالم كافة ولا يختلف عليه، وحيث إن الغنيمة أو المكسب الذي يذكر الرئيس الأمريكي العراقيين به صباح مساء تتمثل في تحريرهم من الجبروت والطغيان يحق للمشاهد أو المراقب الخارجي أن يقف بتمعن ويتساءل حول صحة هذا الادعاء.
الحياة السوية التي يتطلع إليها أي فرد في العالم تتمثل في توافر مجموعة من الاحتياجات وإشباع بعض الدوافع والرغبات وحتى تكون المناقشة موضوعية متجردة من الذاتية ننطلق من ما يعرف في علم النفس بالنموذج الهرمي للاحتياجات والذي وضعه أبراهام ماسلو لمناقشة الموضوع باللغة والمنطق العلمي الذي وضعه الغربيون وليس من إنتاجنا الفكري، نموذج ماسلو للاحتياجات يرى أن الإنسان مهما كان وأينما وجد له احتياجات لابد من توفيرها إذا أريد له أن يعيش حياة سوية خالية من الاضطراب، حياة يهيمن عليها الاطمئنان والسكينة. ويرى ماسلو أن أول مستويات الهرم هو الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب وجنس أو ما يعرف بالحاجات الفسيولوجية ولا غرابة في أن هذه الحاجات تمثل الأساس والمنطلق ذلك أن حياة الفرد قائمة على الأكل والشرب ومن دونهما يموت، أما الجنس فهو أساس استمرار الجنس البشري.
وقد أكدت النصوص الشرعية هذه الحاجات من خلال الحث على الصدقة وإطعام الفقراء والمساكين وصدقة الفطر التي تدفع لأصحابها قبل صلاة العيد لاغنائهم في ذلك اليوم، وكذا الحث على الزواج "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء"، أما المستوى الثاني فهو حاجة الشعور بالأمن "من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه مالكاً لقوت يومه عاش كمن حيزت له الدنيا بكاملها". أما الحاجة للحب فتأتي في المستوى الثالث حسب النموذج. وفي الشأن العراقي يحق التساؤل أي حب تحقق للعراقيين وهم يذبح بعضهم بعضاً ويشرد بعضهم البعض الآخر ويدمرون بيوت وممتلكات بعضهم البعض. أين الحب الذي كان سائداً حين كان التمازج والاندماج بين الفئات والطوائف كافة؟ أما المستوى الرابع فهو يعنى بحاجة الاحترام والاعتبار إذ إن الفرد يتطلع إلى الاحترام من الأهل وزملاء العمل والجيران ومن يتعامل معهم كافة إذ لا يقبل أن يهان وتداس كرامته وتنتهك ولعل ما حدث ويحدث بشكل يومي على الأرض، الواقع يؤكد أن العراقيين أبعد ما يكونون عن الاحترام والتقدير من قبل المحتل الذي مرغ كرامتهم في التراب وأهان قيمهم ومقدساتهم بل سلخهم من صفتهم الآدمية وهو يتعامل معهم في الشوارع والمؤسسات العامة وفي السجون ويكفينا ما حدث في سجن أبو غريب أو ما حدث من انتهاك للأعراض من قبل جنود الاحتلال.
الحاجة إلى لإنجاز وتحقيق الأهداف تمثل أعلى حاجة في هذا الهرم، وغني عن التأكيد أن كل فرد له طموحات يرغب في تحقيقها كالزواج والاستقرار والحصول على عمل وبناء أسرة وإكمال الدراسة إن كان في مرحلة الدراسة وبناء وطن قوي. لكن ما حدث أرجع العراقيين في طموحاتهم وأعادها للمستويات الأولى من الهرم. ترى ماذا تحقق للعراقيين من هذه الحاجات حين وطأت قوات الاحتلال أرضهم، ووعدتهم بالديموقراطية والعيش الرغيد؟ واقع الحال يكشف أن العراقيين فقدوا مقومات الحياة الأساسية من ماء وكهرباء وخدمات صحية وتهدمت المدارس والجامعات وأصبح الإنسان العراقي يبحث عن لقمة العيش بشقاء ليس بعده شقاء ويبحث عن الأمن الذي افتقده ولم يعد ممكناً له وهو معرض لأن تقع عليه قذيفة أو تقصفه طائرة أو تقبض عليه فرقة من قوات الاحتلال وتطلق عليه الرصاص في أي وقت وفي أي لحظة، الحب السائد بين العراقيين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وأعراقهم حلت محله الكراهية والحقد والبغضاء وشكلت فرق الموت التي تقتل على الهوية وترحل الآمنين من بيوتهم وأوطانهم، ولم تعد أواصر المحبة موجودة بل التناحر والتقاتل هو السائد على أرض الرافدين. لقد تحول العراق إلى بلد طارد لأهله وسكانه حيث تفيد تقارير الأمم المتحدة أن العراقيين من أكثر الشعوب طلباً للجوء السياسي والهجرة بعد الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني، وهذا يؤكد أن خاصية الانتماء لوطن يحضن الجميع بدفئه وينعمون بخيراته لم تعد موجودة ولم تعد مشاعر الانتماء لجماعة وأمة اسمها الأمة العراقية كما هي عليه من قوة في السابق. ويكفي أن نسمع الدعوات المتكررة للانفصال وفي أحسن الأحوال الفدرالية التي تمهد للانفصال. وحسبي أن أستشهد بعبارة عبد الحكيم الوكيل التي ذكرها في كلمته التي ألقاها يوم الأحد بعد مقتل صدام بيوم واحد، حيث ذكر أن إعدام صدام نهاية الدكتاتورية والظلم ونهاية معادلة الحكم الظالمة وهذا هو مربط الفرس، حيث يرى أن حكم عراقيين آخرين من غير فصيلته أو انتمائه غير مقبول وهذه كلمة لم نكن نسمعها في السابق، بل فرضها الاحتلال مثل خلقه مصطلحات مثل المثلث السني والتكفيريين، والظلاميين وما شابه هذه العبارات التي أصبح العراقيون يصفون بها بعضهم بعضاً.
وإذا كان الشعور بالإنجاز يمثل حاجة من حاجات الإنسان السوي حسب نموذج ماسلو فهل ما تحقق على أيدي الاحتلال وأعوانه من العراقيين يمثل إنجازا يسجله التاريخ لهم أم أنه عمل يسجل عليهم وضدهم إذ لا يمكن اعتبار تخريب البيوت بالأيدي إنجازا يفتخر به خاصة أن الخراب عم الإنسان والشجر والحجر ولم يستثن شيئاً مما يمكن وصفه أنه عراقي. إن صناديق الاقتراع التي عملت تحت حراب الاحتلال تمثل نصراً للديموقراطية كما يرى بوش لكن الواقع المعاش يؤكد أن ما تحقق هو تشرذم الأهل وتفرقهم نفسياً واجتماعياً وخسارتهم جميع مقومات الحياة، فهل سيبقى من يفتخر بمثل هذا الإنجاز؟! أعتقد جازماً أن معظم العراقيين الحقيقيين إن لم يكن كلهم يبكون بالدماء على يوم بكوا منه بالدموع. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي