بعد المساهمات والأسهم: العملات كنز أيها السادة
اتفق إلى حد ما مع الرأي القائل إن تدني الثقافة الاستثمارية لمعظم المتعاملين في سوق الأسهم ـ هذا ليس عيبا - أسهم في تكبيدهم خسائر ضخمة أتت على معظم مدخراتهم، إلا أنني أميل إلى أن هناك من يستفيد وما زال من تدني الثقافة الاستثمارية للسواد الأعظم من الناس ومن ثغرات في الأنظمة السارية ومن ضعف في المتابعة والإشراف في عدد من الأجهزة الحكومية لتوريط الناس من أجل مكاسب آنية، ليس في سوق الأسهم فقط بل في أنواع أخرى من الاستثمارات التي لا تظهر إلا لدينا فقط مثل المساهمات التي انتشرت بين الناس كما تنتشر النار في الهشيم فأصبح من لم يؤسس مساهمة مساهما في إحداها. والكلام عما حدث في سوق الأسهم والخسائر الكبيرة التي تكبدها معظم المستثمرين الصغار أو ما يواجهه المساهمون في كثير من المساهمات العقارية المتعثرة أمر لا يفيد فهو حدث وقضى الله أمرا كان مفعولا، إلا أن من الواجب أن تؤخذ الأحداث التي مرت كدرس يستفاد منه لكي نمنع أي أنواع أخرى من الاستثمارات ذات الخصوصية السعودية للأسف والتي ستأتي على ما تبقى من مال لديهم إن كان قد تبقى شيء أصلا.
هناك من يعلن اليوم ويروج في صحافتنا وفي منتديات الإنترنت للأسف عن دورات في كيفية التعامل في تجارة العملات يريدون أن يعلموا السواد الأعظم من الناس ممن لم يسبق لهم التعامل فيها وربما أن منهم من لا يعرف ما العملات التي سيتعامل فيها ولا الدول التي أصدرتها، هم يعملون على اختزال سنوات من الدراسة المتخصصة والتدريب في خمسة أيام لا يهمهم أن يخسر أولئك الذين يجمعون الريال على الريال ويحلمون بتحسين أوضاعهم المالية بل يهمهم قبض مبلغ من المال مقابل محاضرات لا تغني ولا تسمن من جوع، تسوق الوهم لهم كيف لا؟ فـ 20 في المائة أرباح شهرية لا يستطيع أحد أن يرفضها، حتى لو كان المنطق والشواهد ترفضها، هكذا نحن ننقاد طواعية دون أن يكون هناك من يوجه ويحذر قبل أن تقع الفأس في الرأس، يغفلون عن مثل هذه الإعلانات ويضمنون الملفات الصحافية أخبارا لا قيمة لها مثل افتتح وصرح وقال واجتمع، أما إعلانات مثل تلك تقع ضمن صميم عملهم فلا أحد يلتفت إليه .
لا يمكن الركون لوعي الناس فهم شرائح متعددة متنوعة مثل أي مجتمع آخر، منهم من يميز ومنهم من يعطي الثقة من لا يستحقها، من هنا فإن السد الأول أمام أية جهة تعمل على الإيقاع بالناس حتى لو كان بإرادتهم يقع على الجهات المسؤولة لأن ذلك يأتي ضمن دورها الرقابي والإشرافي وهذا من صميم عملها مثل مؤسسة النقد ووزارة المالية والتجارة وغيرها.
من المحزن القبول بأن يتحول الشعب السعودي إلى خبراء في تجارة العملة يحققون من ورائها أرباحا تتجاوز 250 في المائة سنويا، كما كان محزنا تحولهم إلى خبراء في تجارة الأسهم فألحق بهم ذلك خسائر فادحة.
أنبه هنا الجهات المعنية إلى أن الحفاظ على أموال الناس يأتي في صميم عملها وأدعوها أن تقف سدا منيعا أمام كل من يستغل هذا الخلل لتوريطهم فمدخرات الناس ينبغي أن تبقى للناس، كما أنبهها أيضا إلى أنها أسهمت عندما لم تفتح منافذ استثمارية آمنة لهم في تلك الأزمات التي مروا بها وما زالوا.
الناس لدينا كانت لديهم مدخرات وهم لا يرغبون في ربطها بفوائد بنكية وحاولوا أن ينموها بدل تجميدها في حسابات بنكية على الأقل ليدفعوا زكاتها، إلا أن عدم وجود قنوات آمنة شرعية أوقعهم في المساهمات ومن ثم الأسهم وربما في العملات لاحقا.