مشكلة البطالة.. فقاعة أخرى توشك أن تنفجر..!
مازالت وستظل الشواهد من حولنا تثبت أن مشكلة البطالة يستعصي حلها، وأنها ستتضخم يوما بعد يوم على الرغم من الجهود التي تبذلها وزارة العمل، والصراع الذي يزداد اشتعلا بينها وبين المناوئين للجهود التي تبذلها في اتجاه توظيف القوى العاملة الوطنية، التي ما تلبث أن تنهار تدريجيا أمام معاول من يسعون إلى الهدم، في وقت غدت فيه الوطنية غريبة في عقر دارها، وأصبح القابض عليها كالقابض على الجمر، لما يواجهه من استهجان وازدراء، عندما تدفعه الغيرة إلى رفع صوته، ولو من باب إبراء الذمة، ليقينه بأن هذا الصوت لن يُسمع حتى وإن بحّ، طالما أن ثمة من يحاول - ثم ينجح - كتم كل الأصوات، بما فيها أصوات المسؤولين عن هذا الأمر..!
فها هي الوزارة تتراجع عن الكثير من القرارات والمواقف التي سبق أن أعلنتها للتعرف على نسبة البطالة وحصرها تمهيدا لحصارها وتنفيذ البرامج المعدة لتوظيف من يبحث عن العمل ويقدر عليه، ولسان حالها يقول:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبني وغيرك يهدم
وما تراجعها عن تخفيض النسب التي اشترطتها للسعودة على قطاعات الأعمال والتجارة وغيرها إلا انهزام لمبدأ الوطنية ذاته، وإعلان خفي بأنها توشك أن تنفض يدها من الموضوع، وأنه ستمضي عقود عديدة قبل أن نتمكن من استيعاب أعداد العاطلين التي تضاربت حولها التقارير والتصريحات، وإن اتفقت على أنها تدور في فلك الـ 200 ألف مواطن، حينما قامت الوزارة بحملتها الشهيرة قبل بضع سنوات لاستقبال طالبي العمل وحصرهم تمهيدا لتوظيفهم، فهل يعقل أن بلدا يحتضن ما يقارب ثمانية ملايين وافد، يعملون كلهم في وظائف لا تزيد نسبة ما يمكن وصفه بالفني منها على 25 في المائة، عن استيعاب العدد المعلن للبطالة؟! حتى يدفع ذلك وزارة العمل إلى التنازل عما كانت تنافح عنه، وتحجيم النسبة إلى 5 في المائة لمن يتعاملون مع الحكومة، وهم الغالبية، في ظل ضخامة الميزانيات المعتمدة للمشاريع؟!
في وقت يفترض فيه زيادة هذه النسبة في العقود الحكومية، استعدادا لما كان معمولا به قبل أكثر من عقد من الزمن عندما صدر قرار يلزم بنسبة 5 في المائة في العقود الحكومية تزداد تدريجيا إلى أن تصل إلى نسبة 50 في المائة !.. فما الذي حدث حتى نعود إلى نقطة الصفر، ونستسمح هذه الفئات عن عقوقها؟! أو قل عن التنكيل الذي يدعون أنه طالهم من قرارات الحكومة! أليس الأولى هو العكس مع ازدياد عدد العاطلين؟!
كنا نتندّر على بلدان مجاورة بأن نسبة الأجانب فيها تلامس 80 في المائة من عدد السكان، وإذا بنا نضع أنفسنا في مجال تندر أغرب عندما نعلن أن نسبة الأجانب من العاملين في أهم القطاعات لدينا تعادل 95 في المائة، أو أنها تعادل أكثر من ذلك ولكننا نحاول خفضها بنسبة 5 في المائة فقط..؟ أي أننا نسترضي من حصل على عقد حكومي بمئات الملايين أن يوظف خمسة مواطنين، حتى في أدنى الوظائف، مع كل 100 أجنبي!..، وإن هم رفضوا فالباب مفتوح للتنازل، أما المواطنون فلهم الله، أو البحث عن شيء يقتاتون منه حتى لو كان مد اليد، إما للتسول، أو إلى ممتلكات الغير..!
أما المناوئون فلا يلامون، طالما كان مبدئهم هو (كثر الطرق يفك اللحام)، فقد فكوا لحام ولحمة الوزارة بالفعل، وانتصروا، وربما أشعروها بتأنيب الضمير لأن قراراتها كانت (ظالمة)، كما لا يلامون إذا لم يوظفوا سعوديا لأن السعودي ينام الضحى، كصاحبة امرئ القيس:
يضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
(مع الفارق بطبيعة الحال)، كما أنه كسول وغير منتج، ويبر بوالديه لأنه يخرج أحيانا لأخذهما إلى الطبيب، وقبل ذلك فهو مشاغب، صاحب مشاكل، لأنه يدافع عن حقوقه المنتهكة، فما الذي يجبرهم على توظيفه، إذا كانوا يجدون من يقوم بعمله من الأجانب بربع راتبه..!
أما الادعاء بعدم وجود السعودي على مستوى موظف سكرتارية أو سائق أو ملاحظ عمال فتدحضه الشواهد والمشاهدات، اذهبوا إلى جنوب المملكة، إلى جيزان ونجران، أو إلى شرقها، إلى الأحساء والقطيف، أو اسألوا أرامكو وسابك ومؤسسة الخطوط الحديدية عن مدى توافر العمالة الوطنية المنتجة على المستوى الحرفي؟!، كما تدحضه تقارير مراكز الشرطة وشهادات ومشاهدات المواطنين عن تفشي ظاهرة السرقة التي لم يسلم منها شيء من براميل النفاية وأغطية الصرف الصحي إلى المعدات الثقيلة وأجهزة الصرف الثابتة؟، وجلها أتت من مواطنين لكي يقتاتوا، على الرغم من أن الجوع لا يبرر السرقة، لكنه قد يخفف النظرة إلى مرتكبها، إذا أضحت هي المهنة الوحيدة المتاحة للعاطل، إذا لم يجد مهنة يقتات منها بالحلال، وهو - أي السارق - سينال عقابه، إن في الدنيا وإن في الآخرة، غير أنه سيتحاكم مع من حال بينه وبين فرصة العيش الكريم عند حاكم عادل، (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) الآية – 30 سورة المائدة.
أتمنى أن أعرف عدد رجال الأعمال والمقاولين وأقطاب التجارة الذين يستخدمون سكرتيرا سعوديا، وأجزم أن النتيجة، إن عرفت، ستكون مخجلة، حتى وإن كان نظام الاستقدام لا يسمح بالاستقدام لهذه الوظيفة.. ومن لا يصدقني فليجرب الحقائق.
وهذا يحدث رغم أنف رعاة النظام، لأن آخر عهدهم به التوقيع..! كما أتمنى أن أعرف ما هو أدنى، وهو العدد من رجال الأعمال والمقاولين وعتاة التجارة الذين يستخدم سائقا سعوديا؟ وأجزم، مرة أخرى، أن النتيجة ستكون أكثر من مخجلة، إلا إذا كان كل من ألبسناه الثوب والشماغ قسرا، صار سعوديا!.
أما عن الاستقدام، فليهنأ طالبوه والمتاجرون به، فقد خارت القوى، و تكسرت النصال على النصال، وغلبت الكثرة الشجاعة، وفتحت الأبواب والشبابيك على مصاريعها، إن بقي منها شيء، من كثرة الطرق، ولن يبقى شبر ولا شجر ولا حجر، إلا ويتكدس بالعمالة، من أدنى شعوب الأرض، لا تعترف بالمرتب الذي جاءت من أجله، ناهيك عن اعترافها بشيء اسمه الدين والقيم والأخلاق، وستنهمك في ممارسة وإنتاج ما خف حمله وغلا ثمنه، من ممنوعات ومحرمات كالمخدرات والخمور والدعارة، التي لو لا جهود بعض المخلصين من رجال الأمن، وهيئة الأمر بالمعروف، لتحولت الزوايا والأحواش والصحارى إلى معامل إنتاج وترويج، من أجل اغتراف أقصى ما تستطيعه العمالة من الثروة التي يحسدنا عليها القاصي والداني، ألسنا أغنى شعب في امتلاك البترول، كما يسمعون؟!
دعوني استشهد بمثل واحد فقط يدلل على ما ذكرت:
قام أحد أصحاب شركات النقليات في الرياض باستقدام 800 سائق قبل فترة، وأسكنهم في أحد الأحواش دون توفير ما يقتاتون منه، ودون صرف أجورهم، وبقوا بدون عمل لأن الرجل لا يوجد لديه سيارات يعملون عليها، مما اضطرهم إلى اللجوء إلى الجهات المختصة، (صحيفة الوطن 6 محرم 1428هـ).. والغريب في الأمر هو كيف استطاع هذا (الاستقدامي) إقناع وزارة العمل (على شدتها) بوجود حاجة لديه إلى هذا العدد دفعة واحدة، وما نوع الوثائق والبراهين التي أقنعها بها للموافقة على جلب هذا العدد؟! لكي يعملوا سائقين، لاحظوا سائقين!.. ألا يثبت هذا أن البطالة من صنع أيدينا، وأنها كالفقاعة التي يمسك بها المسؤولون لكي ينفخ فيها كل من يستقدم عمالة دون ضرورة..! ألا توشك هذه الفقاعة أن تنفجر، كما حدث لفقاعة الأسهم؟! عندها سينطبق علينا المثل (يداك أوكتا وفوك نفخ)، والمثل (على نفسها جنت براقش)، والمثل (ما ينفع الصوت بعد الفوت).
يا وزير العمل: حتى لا نفقد الأمل، انتبه فهناك من يتوعد وهو يردد، مع الشريف الرضي:
إذ يلتقي كل ذي دين وماطله منا، ويجتمع المشكوّ والشاكي
وهناك من يستسلم، وهو يتمتم، مع المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
وهناك من يتمثل وهو يتأمل، مع البوصيري:
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم
فهل نطمح منك تعويدنا على الفطام عن الاستقدام؟! لا نحرجك فنقول في عامين..!
فقط قبل أن يشيب المفطوم..!
والله من وراء القصد