جاهلية القرن الحادي والعشرين

[email protected]

إنه أمر لا يصدق ما يجتاح العالم من موجة عاتية من الكراهية والحقد والحسد والاحتكام إلى أحداث ووقائع تاريخية وإعادة نبشها وجعلها مدار النقاش ومحور الحياة. ما هذا التخلف في التفكير في أن يسيّر الحاضر أوهام تاريخية حتى وإن كانت حقائق لا نستطيع التوقف عندها والتشبث بها أو التحكم فيها وقد ولت إلى غير رجعة حتى ولو أضفى عليها المتنفعون والمتنفذون القدسية يسوقون بها الدهماء ورعاع الناس من حيث لا يعلمون ويعزفون على لحن الكراهية وتأجيج الصراع إلى حد اللعن والشتم حتى يتحول الأمر برمته إلى فورة عاطفية وهيجان من المشاعر الجياشة تسيطر على العقل وتشل التفكير وتعطل لغة المنطق فلا يعرف من الظالم ومن المظلوم بأحكام مسبقة على أناس ليس لهم علاقة بما حدث في الماضي بل إنهم يرفضون ويترفعون عن الخوض في الحديث عن صراعات واختلافات وقعت بين أناس يجلونهم ويحترمونهم من الرعيل الأول للدعوة الإسلامية. فهل يكون إمساكهم عن الحديث في أعراض أناس ربما قد حطوا رحالهم في الجنة أمرا مذموما! يا للعجب كيف تحكمون! هل على الإنسان السوي أن يقحم نفسه في متاهات التاريخ والبحث في أخطاء وهفوات أناس غير معصومين يبتغون من الله فضلا ورضوانا بلغوا منزلة رفيعة في مقياس التقوى، ثم إن حتى الاختلاف بين المسلمين لا يخرج عن دائرة الإيمان، اقرأوا إن شئتم قول الله تعالى "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" فسمى المقتتلين من الفريقين مؤمنين. لقد سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن أولئك الذين حاربوه ووقفوا ضده وهو الأحق من دون شك ولا ريب هل هم كفار؟ قال رضي الله عنه وأرضاه" بل إخوان لنا بغوا علينا". هؤلاء الذين خرجوا عليه وحاربوه وقاتلوه، فكيف بمن يعزرونه ويوقرونه ويجلونه ويجعلونه أميرهم وخليفتهم الراشد. إن منهج أمير المؤمنين رضي الله عنه هو في حقيقته إتباع للقرآن وسنة المصطفى، فالرسول كما يقول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم لم يبعث لعانا ولا فحاشا بل جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ولذا امتدحه الله عز وجل بوصفة "وإنك لعلى خلق عظيم". هذا هو الإسلام الحق ناصع واضح أبلج مثل فلق الصبح يدعو إلى الحب وإكرام الناس واحترام أدميتهم والرفق حتى بالأعداء والحيوانات والجمادات بل جعل التفاضل بين الناس على أساس التقوى حرصا على تطبيق ما أوجبه الله والامتناع عما حرمه. إنه الاتباع وليس الابتداع. إنه دين العدل والإنصاف يضع الأشياء في محلها فلا تزر وازرة وزر أخرى، ويؤكد قيمة العدل حتى مع الأعداء "لا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". ما يجري في العراق يندى له الجبين كيف أصبح القتل والتعذيب لأهل السنة يمارس تحت غطاء ودعم ومباركة من الحكومة الطائفية ومن رجال الدين والساسة. إنها العصبية والحمية حمية الجاهلية الأولى التي حذر منها رسول الله وقال:"دعوها فإنها منتنة". صدقت يا أبا القاسم صلوات ربي عليك لقد أطلت العصبية المذهبية بكل قذارتها تنشر الكراهية وتفسد النفوس وتحطم المعاني الجميلة للإسلام وتمزق صف المسلمين. إي إسلام هذا الذي ينفر ولا يجمع ويقصي ولا يدني في جوهره السب واللعان والتعرض لأعراض الناس حتى وإن كانوا من أصحاب الرسول الذين قدموا حياتهم رخيصة في سبيل نصرة الدين ولم يطلبوا جاها ولا مالا ولم يورثوا درهما ولا دينارا. الناس الذين نذروا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله يسبون على المنابر ويجعلون كراهيتهم أصل الدين وجوهره. كيف يكون ذلك؟! إنه ضد منطق الأمور والسنن الكونية هل يعقل أن يكون الإسلام الذي يجعل من بر الوالدين أن تصل أصحابهما وتحسن إليهم وتقوم على حوائجهم إن نسب ونشتم أصحاب الرسول؟! أليس قياسا أن نحترم ونبجل أصحاب الرسول، صلى الله علية وسلم احتراما وتقديرا له؟! إنه أمر غريب عجيب أن تحترم جميع الديانات والمذاهب أصحاب أنبيائها والرعيل الأول الذين قام على أكتافهم الدين ونجد من يسفه ويشتم ويحقر صحابة رسول الله! هل يعقل أن يسب صحابه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أو أحفاده ومن والاه! ما لكم كيف تحكمون. أن المسلمين الذين أمروا أن يصلوا على محمد وعلى آل محمد في كل صلواتهم لا يمكنهم أن يقعوا في مثل هذا. ولا يقع فيه إلا الشواذ من الفسقة أو أولئك الذين رضوا بالحياة الدنيا أو من في قلوبهم مرض من الخوارج ولم يتبعوا الهدي المحمدي. إن أمر كراهية المسلم لأخيه المسلم أمر عظيم وخطير فكيف كراهية من لهم فضيلة السبق والجهاد ومصاحبة الرسول والوقوف معه واحتضانه وحمايته عندما كان الإسلام غريبا وكانوا مستضعفين يتخطفهم الناس لا حول لهم ولا قوة. وإن كان تولد لدى القوم إحساس بالظلم وهو بلا شك شعور واه، ومع ذلك ألا يسعهم ما وسع الرسول من العفو والتسامح ونبذ الماضي والبحث عن أوضاع يربح منها جميع الأطراف وتحقيق الهدف الأسمى من الدين وهو دعوة الناس إلى عبادة رب العباد والخروج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. فها هو الفاتح العظيم يصل إلى مكة وقد أخرج منها عنوة وضيق عليه وعلى أصحابه يطلق دعوة التسامح والمحبة مدوية في أرجاء مكة " اذهبوا فأنتم الطلقاء" حتى هند بنت عتبة التي لاكت كبد عمه وحبيبه حمزة بن عبد المطلب شملها عفوه الكريم! وفي حجة الوداع يلغي جميع نزاعات وخلافات الماضي ويقول هي تحت قدمي إمعانا في الاحتقار والقضاء عليها. هذا هو السر العظيم وراء انتشار الإسلام في أصقاع الأرض دين المحبة والعقل والمنطق والعدل والتسامح، إنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ومتى ما خرج عن ذلك أصبح دينا آخر سمه ما شئت لكن بكل تأكيد ليس إسلاما.
لا أحد يستطيع أن يتصور أي حزب سياسي أو مذهب ديني أو منهج فلسفي يقوم على الكراهية وفي ذات الوقت يدعو الناس إلى الدخول فيه! إن ارتكاز الدين في جوهره على أحداث سياسية وخلافات شخصية هو تشويه للدين والخروج عن جادة الطريق. إذ أن أي دين أو حتى حزب سياسي يرتكز على مبادئ موضوعية عقلانية تأتي لتنظيم الحياة والارتقاء بالنفس البشرية وتستهدف إسعاده والعيش بسلام مع النفس ومع الآخرين. قيم ومبادئ راسخة لا تغيرها الأحداث ولا المواقف، بعيدة كل البعد عن المآرب الشخصية والتأويلات الملتوية التي تتنافى مع معانيه العظيمة وأهدافه السامية. إن مستوى نضج أي دين أو مذهب أو اتجاه فلسفي يقاس بدرجة موضوعيته والتفاوت بين أتباعه على أسس موضوعية يكون المجال مفتوحا للجميع في التنافس والترقي وخلوة من الشخصنة والتأويل الشخصي ويضفون على البعض قدسية الأنبياء والرسل بل الغلو إلى أبعد من ذلك، وتعطيل التفكير والاعتماد بشكل كبير على الحماسة العاطفية. لقد أتضح ومن خلال ما يبث على القنوات الفضائية التعرف على أمور دينية يروج لها البعض هي ليست من الإسلام في شيء بل تتنافى مع جوهر التوحيد وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. وهذا يفسر التصرفات الإجرامية اللاإنسانية بل الحيوانية التي وقعت على أهل السنة في العراق تتنافى مع النزر اليسير من الآدمية. ففي تقرير بثته القناة الرابعة البريطانية أخيرا حمل صورا ومشاهد مروعة، حيث يتم اقتلاع العيون والأسنان وبقر البطون من قبل ميلشيات شيعية هذا إضافة إلى التهجير وقتل كل من يأتي لتسلم جثة قريب من المستشفيات. إنها مأساة كبرى أن يبلغ الحقد والكراهية مبلغا يتعدى كل الحدود. ما هذا الدين الهمجي الذي يأمر أتباعه أن يفعلوا تلك الأفعال البشعة القذرة فكيف لهم دعوة الناس إلى الدخول فيه؟! لقد حان الوقت للشرفاء من أهل الشيعة في أن ينفضوا أيديهم من هذا الجرم الكبير ويبرؤوا أنفسهم من هذا الظلم الذي يقع على إخوان لهم إن لم يكن في العقيدة فبالإنسانية فهل يجرؤون ويخرجون عن صمتهم خاصة أولئك الذين عاشوا بسلام ومحبة مع إخوانهم السنة ويرفضون الظلم على أي أحد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي