رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حوكمة الجامعات

[email protected]

كأني بالجامعات السعودية وبعد صدور التقييمات العالمية المختلفة تقول "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة"، فلقد واجهت الجامعات السعودية هجوما حادا ولاذعا من مختلف القنوات الإعلامية، وأصبح عضو هيئة التدريس السعودي مسؤولا عن كل ما يحدث فيها وفي خارجها حتى الحرب اللبنانية والخلافات الفلسطينية ناهيك عن إعدام صدام وانهيار سوق الأسهم السعودية. وتجنى البعض حتى لم يبق إلا المطالبة بإلغاء وظيفة عضو هيئة التدريس فلا داعي لهؤلاء البشر؟! والغريب أن كل الذين أمسكوا بزمام القلم وأبدعوا في فن المقالة والتحليلات بأنواعها لم يدرسوا تلك الفنون في خارج هذه البلاد بل في الجامعات السعودية التي استلوا عليها السيوف. وعلى الرغم من معرفتنا لبعض أسباب إخفاق الجامعات السعودية والذي ظهر في ضعف مواقعها على الشبكة الإلكترونية، تبقى القضية أكبر من ذلك بكثير فهي - في نظري - قضية مجتمع وثقافة عامة، قضية غياب للشفافية والإفصاح والمحاسبة والمسؤولية. قضية المشاركة الواسعة في اتخاذ القرار وتوجيه دفة العلم والحوار في المجتمع، قضية كلنا نشارك فيها بطريقة أو بأخرى. قضية كيف تحكم الجامعات السعودية وكيف تدار وكيف تراقب. باختصار شديد قضية حوكمة الجامعات ودور المجتمع في تلك الحوكمة.
وإذا كان مصطلح الحوكمة قد ارتبط بالشركات وذلك بعد الفساد المالي الذي عمها في محاولة لإعادة الثقة للمجتمع نظرا لما قامت به مجالس الإدارة من سوء استخدام السلطة والمسؤولية ونزعتهم إلى تحقيق المكاسب الشخصية وتضليل مستخدمي التقارير المالية، فإن له وجه التطبيق في الجامعات حيث إنها تمثل مؤسسات عامة تستخدم وتوظف أصولا وموارد ضخمة ويتأثر بقراراتها العديد من أفراد المجتمع وأصحاب المصالح، خاصة ونحن نقتحم مرحلة الجامعات الأهلية. لذلك فالحاجة ماسة إلى مزيد من الإفصاح والشفافية والمشاركة الواسعة في إدارة الجامعات وهو أهم ما تدعو إليه ثقافة الحوكمة.
وحوكمة الجامعات قضية محسومة في العالم الغربي المتطور في هذا القطاع، فخدمة التعليم العالي في الولايات المتحدة تقدم من خلال ما يقارب 3500 جامعة تعلن وبشكل واضح من خلال مواقعها الالكترونية عن الطريقة التي يتم من خلالها حكم الجامعة وإدارتها ورقابتها. فمعظم الجامعات الأمريكية تحكم بواسطة مجلس أمناء يتكون في غالب الأحوال من رجال الأعمال والمهنيين وممثلي الهيئات المختلفة ممن قدموا الهبات لصالح الجامعة، إضافة إلى ممثلين للطلاب ولأعضاء هيئة التدريس من خارج الإدارة التنفيذية. ويتم اختيار أعضاء هذا المجلس عن طريق الانتخاب العام جامعة متشقن - University of Michigan. وفي بعض الجامعات يوجد مجلس المشرفينBoard of Overseers والذي يتكون من 30 عضوا جامعة هارفارد-University of Harvard تم اختيارهم عن طريق الانتخاب العام. وما ذلك إلا لجعل الجامعة ممثلة بشكل كبير من المجتمع الذي يقوم بدوره بمحاسبة الأعضاء وتغيرهم إذا لم يقوموا بأداء واجباتهم على نحو مناسب ولما تقتضيه مصالح مجتمعهم.
وفي بريطانيا يوجد ما يقارب 111 جامعة وكلية وجميعها لها نظام حوكمة معلن وواضح فجامعتا أكسفورد Oxford University وكامبردجCambridge University مثلا يحكمان من خلال برلمان (مجلس حاكم) يتألف من عدد كبير من أعضاء الجامعة والمنتسبين لها من خريجين أو عاملين أو باحثين المسجلين ضمن ما يسمى بسجل الجامعة. هذا المجلس يعرف ببيت الأوصياءRegents House في جامعة كامبردج والتجمع أو الجمعية Congregation في جامعة أكسفورد مع عدد أعضاء يبلغ 3000 عضو في كلتيهما. وهذان المجلسان يعتبران من المجالس التشريعية.
هذه المجالس سواء في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بانتخاب أعضاء المجالس التنفيذية بالجامعة ومنها مجلس ورئيس الجامعة وعمداء الكليات. ولا بد أن تتضمن هذه المجالس التنفيذية أعضاء غير تنفيذيين من الأساتذة الجامعيين (يتم انتخابهم) وأعضاء آخرين من مجلس الأوصياء (يتم انتخابهم عن طريق مجلس الأوصياء) وطلاب (يتم انتخابهم عن طريق مجلس الطلاب). وفي بعض الجامعات البريطانية يوجد ما يسمى بالمحكمة، فوق مجلس الجامعة، تناقش التقرير السنوي للجامعة وتنظر في القضايا المختلفة وتصدر قرار تعيين كل من رئيس الجامعة والرئيس التنفيذي Vice-president وأعضاء المجالس الأخرى، وعادة يتكون مجلس المحكمة من 50 إلى 400 عضو في بعض الجامعات.
وبالإضافة إلى المجالس المختلفة فإن الجامعة تراقب من خلال عدة لجان من أهمها اللجنة المالية، والتي عليها أن تقدم تقاريرها إلى المجلس العام حول الأنشطة والتصرفات المالية التي حدثت في الجامعة، ولجنة المراجعة والتي تتألف من عضوين غير تنفيذيين وثلاثة أعضاء تنفيذيين، ومن مهامها مراجعة أنظمة الرقابة الداخلية بالجامعة, إدارة المخاطر, مراجعة فعالية وكفاءة النظام المالي في الجامعة, التقرير عن مراجعة حسابات الجامعة, التوصية بتعيين المراجع الخارجي. كذلك ومن بين المهام الرئيسة في إدارة الجامعة توجد مهمة أو وظيفة المراجعة الداخلية والتي يجب عليها ومن خلال لجنة المراجعة أن تقدم تقاريرها إلى المجلس العام وإلى المدير التنفيذي للجامعة حول كفاءة وملاءمة إدارة المخاطر, الرقابة الداخلية, وترتيبات الحوكمة في الجامعة لذلك فإن على المراجعين الداخليين بالجامعة تقديم تأكيدات معقولة Reasonable assurance حول هذه الأمور.
وهكذا يتضح من خلال العرض السابق لنظم الحوكمة وجود تعددية وشمولية واضحة وتنوع كبير في أنماط الحوكمة، كما يتضح المشاركة الواسعة لأصحاب المصالح عند مستوى القرارات الاستراتيجية وتخصيص الموارد. كما يتضح وجود آليات رقابية بيد أصحاب المصالح تمكنهم من التعامل مع الإدارة التنفيذية وتوجيه السلوك من خلال آليات الانتخاب المتكررة. كما يظهر بوضوح الاهتمام بنواحي الرقابة الداخلية، حيث يوجد في كل جامعة تقريبا لجنة للمراجعة مشكلة من المجلس الحاكم وتقدم تقريرها عن مدى الالتزام بالنظم واللوائح وعن مدى كفاية وكفاءة نظام الرقابة الداخلية بالجامعة. كما على الجامعة أن تعين مراجعا خارجيا وفقا لتوصيات لجنة المراجعة وتنشئ قسما للمراجعة الداخلية يقدم تقاريره إلى المجلس الحاكم عن طريق لجنة المراجعة. كما أن على الجامعات الإفصاح للمجتمع، فضلا عن المنتسبين للجامعة، عن قوائمها المالية مرفقا به تقرير مفصل من مراجع الحسابات.
وبشكل عام يحظى موضوع حوكمة الجامعات باهتمام متزايد من قبل الدول المتقدمة. ففي أستراليا قدمت عدة مشاريع منها مشروع مراجعة إدارة التعليم العالي أو ما يسمى بتقرير هوير Hoare report والذي أشار إلى أن تطوير نظام التعليم العالي يبدأ من تطور أهداف وممارسات الإدارة والمحاسبة عن المسؤولية وعن الموارد المتاحة لذلك القطاع.
وفي المقابل يظل السؤال مفتوحا عن طريقة حوكمة الجامعة السعودية, سلوك الإدارة, أساليب التقرير, مدى التمثيل في المجالس المختلفة, أساليب الرقابة على القرار, إدارة الموارد والتقرير عن ذلك والإفصاح عنه. كما تثار لأجل هذا وذاك أسئلة حول الحوار مع أصحاب المصالح المختلفة مما يشير احتياج الجامعات لمناقشة والاهتمام بموضوع الحوكمة للوصول إلى تلك المعايير التي تناسبنا وتحكم عمل هذا القطاع بعيدا عن المزايدات والهجوم غير العلمي وغير المبرر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي