التشكيل الوزاري الجديد.. البرنامج والتنفيذ
تنقضي أربع سنوات على تشكيل مجلس الوزراء الحالي بعد أقل من شهرين، وتصدر أوامر ملكية كريمة تحمل معها تشكيلاً جديداً لمجلس الوزراء.
والواقع أن إعادة تشكيل مجلس الوزراء كل أربع سنوات
لا يأتي لمجرد تغيير مجموعة كبيرة من أعضاء المجلس وإحلال مجموعة أخرى، بل يأتي في إطار إرادة التغيير التي تسعى إلى مواكبة المستجدات وضخ دماء جديدة في المجلس وفتح المجالات أمام مجموعة من الشباب الذي يحمل في جعبته إمكانات وتطلعات تتواكب مع المتغيرات المحلية والدولية حتى يحافظ المجلس على حيويته وإنتاجيته.
ولذلك يقول علماء الإدارة العامة إن تغيير مجلس الوزراء كل أربع سنوات له مزايا كثيرة أهمها المحافظة على حيوية المجلس بصورة تجعل الدولة في حالة شباب دائم.
ونستطيع أن نقول إن الإدارة العامة - ونحن ندخل أبواب القرن الحادي والعشرين - تعيش مرحلة مخاض جديدة وتقترب من نقطة تحول وتغيير حقيقية، والأمر لم يقف عند تغيير بعض وظائف الإدارة العامة أو إعادة تشكيل مجالسها الوزارية، بل تعدى ذلك إلى أن بعض فقهاء الإدارة يطرحون تغيير اسم الإدارة العامة Public Administration إلى اسم إدارة الأعمال العامة Public Management حتى يعبر الاسم الجديد تعبيراً دقيقاً عن وظائف الإدارة في مراحلها الجديدة، بمعنى أن الإدارة العامة تقف عند مفترق طريق يذكرنا بالموقف التاريخي (ولكن بصورة معاكسة) الذي وقفه ودرو ويلسون Woodrow Wilsonرئيس الولايات المتحدة في عام 1887م حينما بشر بعلم الإدارة العامة، ونادى باستقلاله عن الإدارة الخاصة في مقالته الشهيرة The Study of Administration .
ولذلك أمام المتغيرات التي نشهدها على الساحة الإقليمية والدولية يجب تقنين مشاريع إعادة تشكيل مجلس الوزراء بحيث يكون للإعادة والتشكيل أهداف وفوائد تتجسد في تنفيذ الحجم الأكبر من المشاريع والبرامج، وهنا نقترح أن ترتبط خطط التنمية بالتشكيل الوزاري ونختزل الخطة في أربع سنوات بدلاً من خمس سنوات، وعندئذ تعتبر الخطة بمثابة برنامج عمل للوزارة الجديدة بحيث يصدر ولي الأمر أمراً بتكليف الوزارة الجديدة رسمياً بمسؤولية تنفيذ الخطة، وعندئذ تطبق على الوزراء لوائح الحكومة المتمثلة في مبادئ الشفافية والمساءلة والإفصاح، ودون تكليف مجلس الوزراء الجديد ببرنامج عمل وتطبيق مبادئ الحوكمة، على وزرائه، فإننا لا نستطيع أن نحاسب الوزراء، وبالتالي فإن تغيير مجلس الوزراء يصبح وكأنه تغيير من أجل التغيير فقط.
إن المستقرئ لتاريخ الحضارات الإنسانية.. يجد أن انهيار هذه الحضارات بدأ بشروخ عميقة في النظام الحكومي، ثم طفق الفساد الإداري يستشري في جميع الهياكل الوزارية، ويتمكن من نخر أوصال النظام الإداري حتى اضمحلت هذه الأنظمة، وآلت بكل أجهزتها إلى السقوط، ثم الأفول والانهيار، بمعنى أن الإدارة العامة ترتبط بالتنمية عند نقطة ارتكاز مهمة هي "الإنسان"، وأن تفعيل وتطوير مواهب الإنسان هو هدف الإدارة الحكومية، ولذلك فإن الـ 40 سنة الماضية من تاريخ التنمية.. أثبتت أن الإدارة العامة في المملكة أجرت تغييراً جذرياً في دورة دم الإنسان السعودي.. حولته من إنسان اتكالي.. إلى إنسان إنمائي، يتفاعل مع التنمية ويسهم بفعالية في منجزاتها، ومن هذا المنطلق فإن إعادة تشكيل مجلس الوزراء كل أربع سنوات يُعد من البرامج المهمة في تاريخ الحكومة السعودية الحديثة.
وإذا استعرضنا مخرجات مجلس الوزراء طوال السنوات الأربع الماضية نجد أن بعض الوزراء يحتاجون إلى التغيير ليس طعنا في كفاءتهم بل ربما هم أكثر كفاءة في مواقع أخرى، ودون أي مواربة فإن بعض الوزراء تقدمت بهم السن فلم يعودوا قادرين على الاستمرار مع رتم الحياة أو ليس لديهم امكانات تنفيذ المجموعة الكبيرة من المشروعات التي اعتمدتها الدولة وخصصت لها الاعتمادات المالية الضخمة.
ونحسب أن الجميع يدرك أن الزيادة الهائلة في إيرادات النفط قد وفرت للدولة أموالاً ضخمة وقامت الدولة من جانبها باعتماد الأموال لتسريع معدلات التنمية الشاملة انطلاقاً من أن الحياة عبارة عن فرص، وهذه الإيرادات الضخمة هي بمثابة فرصة يجب استغلالها والإسراع في تنفيذ الكثير من المشاريع قبل أن تضيع الفرص وتصبح تكاليف التنمية أعلى من التكاليف الحالية.
والواقع أن الوزارة الحالية التي ستصبح بعد أسابيع قليلة الوزارة السابقة اجتهدت ونفذت ما تستطيع أن تنفذه من البرامج والمشاريع ولكن كانت المسؤوليات الجديدة أكبر من إمكانيات بعض الوزارات، ولهذا السبب وغيره من الأسباب تظهر الحكمة وراء إجراء التغيير المناسب في الوقت المناسب.
وبعيداً عن الإشاعات التي تطور أداؤها وأصبحت التكنولوجيا أحد آلياتها، فإن أكثر الوزارات في حاجة إلى التغيير هي الوزارات المهمومة بتنمية وتحسين الخدمات بدءاً بالبلديات والكهرباء والماء والزراعة والصناعة والشباب والإعلام والثقافة والتعليم العالي والاتصالات والمواصلات وقبل ذلك تقنية المعلومات.
وإذا كانت المؤسسات الحكومية تحتاج إلى شيء ينشطها ويبعد أمراض المفاصل عنها أو يشافيها من بطء الحركة ومشي السلحفاة، فإنها أحوج ما تكون إلى التوسع في استخدام التكنولوجيا ووضع برنامج واضح ومعلن عن مشاريع الحكومة الإلكترونية لأن تطبيق مبادئ الحكومة الإلكترونية سيساعد إلى حدٍ كبير في تنفيذ المشاريع بالسرعة المطلوبة دون أن تضطر الوزارات إلى تدوير مشاريعها إلى سنوات مقبلة.
وكلنا يعرف إلى أي حدٍ كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حريصا على تنفيذ المشاريع التي تم اعتماد المال اللازم لتنفيذها وكان، حفظه الله، يطالب بالتنفيذ العاجل للمشاريع ويقول أن لا عذر لأحد من الوزراء، فالمشاريع ووفق عليها والمال جرى اعتماده والهمة نطلبها من الرجال.
وإذا كانت التقنية الجديدة تُعد من أهم الوسائل لتنفيذ المشاريع بالسرعة المطلوبة، فإن أهم ما نحتاج إليه في الوزارة الجديدة هو الكفاءة والإرادة في الرجال الذين سيختارون لتحمل مسؤولية إدارة شؤون الوزارات.
إن الكفاءة هي العنصر الأهم فيمن يعتلي سدة الوزارة ولكن الكفاءة تحتاج إلى الإرادة واتخاذ مبادرات التنفيذ في الوقت المناسب دون التسليم للروتين وأمراض العطلة، وحقيقة أن ما كان ينقص بعض الوزراء في الوزارة الحالية هو الإرادة التي أجلت وأخرت العديد من المشاريع المهمة حتى أصبح النظام البيروقراطي للدولة يسير كما تسير زواحف السلحفاة المترهلة والمثقلة بأمراض الكبر وتقدم السن.