أمانات المناطق .. الدور والاسم
لا شك أن قرار تحويل أمانات المدن إلى إدارات إقليمية قرار حكيم وصائب إذ إن هناك حاجة إلى جهاز إداري يربط بين الأجهزة البلدية على مستوى المنطقة وينسق بينها خاصة في مجال التخطيط الإقليمي الذي هو شبه مُغيّب في كثير من مناطق السعودية. أعلم أن بعض المناطق قد شرعت في إعداد الاستراتيجية الإقليمية بل إن منطقة الرياض قاربت على الانتهاء من مشروع استراتيجيتها الإقليمية والتي ستكون بمثابة الموجه لجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحاولة جادة لوضع خريطة اقتصادية لمستقبل المنطقة وإحداث تغييرات جذرية تحد من تفاقم المشاكل الحالية وتوجد حلول ومعالجات أصيلة للتحديات التي تواجهها وفي مقدمتها النمو الحضري وتمركزه في مدينة الرياض، إذ إن عدد سكانها يمثلون ما يقارب 70 في المائة من مجموع سكان المنطقة. من هنا يظهر جليا أهمية التخطيط الإقليمي في إيجاد أقطاب أخرى للتنمية في المنطقة ليس للتخفيف من النزوح المتزايد لمدينة الرياض ولكن أيضا من أجل تنمية متوازنة تحقق الميزة التنافسية لكل جزء من المنطقة في إطار من التكامل الاقتصادي والتخصصية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الدخل المحلي والنمو الاقتصادي. ومع هذه الأهمية لدور الإدارات الإقليمية إلا أن تسميتها أمانات لا يتوافق مع النطاق المكاني الذي يشمل المنطقة، فاسم أمانة يطلق على نطاق محلي وليس إقليمي. وتبرز مشكلة أخرى في هذا السياق تتعلق بالمجالس البلدية للأمانات فبتحول دور الأمانات من إدارة المدن إلى إدارة المناطق يكون هناك تناقض واضح بين مهام المجلس المحلي ودور الأمانة الإقليمي. ومتصل بذات الموضوع غياب التكوينات الإدارية المحلية في عواصم المناطق فليس هناك محافظات لهذه العواصم التي هي في الأساس مدن تتطلب إدارتها على المستوى المحلي وهو أمر لا يتنافى مع كونها عواصم للمناطق. إن ما ينبغي التركيز عليه هو أن هناك اختلاف بين إدارة المدن وإدارة الأقاليم تتمثل في النطاق الجغرافي وبالتالي اختلاف الموضوعات والقضايا التي يتناولها كل منهما. ان هذا التفريق بين أدوار إدارة المدن وتلك الخاصة بإدارة الأقاليم مهم للغاية من حيث التسلسل المنطقي لعملية صنع القرار. فإدارة المدن مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تقديم الخدمات البلدية داخل نطاقها المكاني إلا أن ذلك لا يعني أنها تعيش بمعزل عن التأثيرات الجانبية سواء الإيجابية أو السلبية للمدن الأخرى فعلى سبيل المثال عندما تكون مدينة تحاول أن تبقي على أجوائها نقية من الملوثات لن تستطيع لذلك سبيلا إذا كانت بالقرب من مدينة أخرى صناعية تنفث مصانعها الدخان والملوثات. وهنا تظهر أهمية الإدارة الإقليمية التي تغطي حيزا جغرافيا أكبر يُمكنها من معالجة مثل هذا الموضوع. وفي الوقت ذاته لا نستطيع تصور إدارة إقليمية تقوم بمهام إدارة محلية وتركز جهودها على مدينة بعينها وتتخلى عن دورها الإقليمي بتهيئة الظروف المناسبة لمدن الإقليم في التفاعل بينها وإيجاد صيغ للتعاون والتنسيق من خلال الخطط الإقليمية والسعي لتحقيق تنمية متوازنة. إن الإشكالية التي نعاني منها في إدارة المدن السعودية هو غياب الاستراتيجيات المحلية التي يفترض أن تنبثق من إطار الاستراتيجية الإقليمية وبطبيعة الحال جميعها تتحرك داخل دائرة الاستراتيجية الوطنية. لذا يكون من المقبول القول إن غياب الاستراتيجيات المحلية سببه الرئيس غياب الاستراتيجية الإقليمية.
لقد بات من الضروري الانتقال إلى مرحلة متقدمة من إدارة المدن والمناطق والتحول على مستوى أكثر نضجا في عملية صنع القرار. لم يعد يكفي تقديم الخدمات البلدية دون وضع خطط استراتيجية تحدد التوجه العام للتنمية المحلية نوعا وكما ومكانا. وهذا يستلزم بطبيعة الحال تنظيمات إدارية محددة الإشراف المكاني والمهام والصلاحيات موثقة قانونا. إن النطاق الجغرافي للهيئات الإدارية المحلية والإقليمية هي حدود قانونية سياسية في المقام الأول وليست حدودا إدارية بالمعنى التقليدي. أي أن الهيئات المحلية ليست مسؤولة فقط عن توفير الخدمات ولكن توفير الخدمات حسب متطلبات السكان والتوجهات العامة والرأي العام المحلي. كما أن المهمة لا تتوقف عند توفير الخدمات بل تتعداها إلى تهيئة الظروف لجذب الاستثمارات وتحفيز الصناعات وتوفير الوظائف ومعالجة مشكلة الفاقة وتوفير السكن والحفاظ على البيئة. ولذا فإن الهيئات الإدارية المحلية والإقليمية من هذا المنظور تستلزم أن تتيح الفرصة للمواطنين للمشاركة في عملية صنع القرار مباشرة أو عن طريق المجالس النيابية كما في حال المجالس البلدية. ومن هنا قد يكون من المسوغ أن تكون هناك مجالس للشؤون البلدية على مستوى المناطق وإبقاء المجالس البلدية في عواصم المناطق على حالها تعمل داخل حدود المدينة. إن التدرج الوظيفي للهيئات المحلية والإقليمية أمر ضروري تفرضه المعطيات الجديدة والمتغيرات على الساحة الداخلية والخارجية. وفي ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي على العالم يتطلب التخصصية في العمل وإيجاد نظم إدارية وأساليب اتخاذ قرار على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية يؤدي كل منها دوره بكل إتقان وتتكامل وتتناغم مع بعضها البعض. فكل مستوى إداري يقوم بمسؤولياته ضمن النطاق الجغرافي المحدد له والسعي في بناء الخبرات والقدرات في مجاله. ما علينا فهمه هو أن العمل الحكومي منظومة متكاملة تتكون من مستويات محلية وإقليمية ووطنية وإنه ليس بمقدرونا النجاح بمشروعنا التنموي واللحاق بركب التقدم والتطور دون الاعتراف بالتخصصية لكل مستوى وإيجاد التكامل والتناغم بينها. لقد مضى زمن طويل حين كانت المركزية في عملية صنع القرار الأسلوب الأنجح في التنمية الاقتصادية ونقل المجتمع إلى أوضاع أكثر تطورا اقتصاديا واجتماعيا وصناعيا وتقنيا. إلا أن الظروف قد تغيرت ولم يعد في الإمكان الاعتماد على القرارات المركزية البيروقراطية البطيئة التي لا تنسجم مع وقع التغييرات المتسارع، فكان لابد من إيجاد صيغ جديدة تحاكي الواقع وتتفاعل معه وتسهم في مواجهة التحديات المتنامية التي تتراكم يوما بعد يوم. إن ما نواجه اليوم من صعوبات وتحديات مرده أننا لم ندرك أهمية تقسيم المسؤوليات والأدوار والصلاحيات بين الهيئات المحلية والإقليمية والوطنية. إن تقسيم الأدوار وتحديد المسؤوليات في نطاقات جغرافية محددة من شأنه التعرف على مكامن النجاحات والإخفاقات وحصر وتحمل تبعاتها السلبية داخل حدودها الجغرافية من غير أن تتعداها إلى غيرها بحيث لا تزر وازرة وزر أخرى. وهكذا يكون سكان كل مستوى إداري محلية كان أو إقليمية مسؤولين عن قرارات هيئاتهم من دون أن يلقوا باللائمة على الحكومة المركزية في كل صغيرة وكبيرة، إذ لا تستطيع الهيئات المركزية حتى لو أرادت أن تقوم بجميع الوظائف المحلية والإقليمية، حيث ستواجه مشاكل كثيرة ومعقدة ومتنوعة ولا تملك الوقت ولا الخبرة لاحتوائها ومعالجتها. إن الخلط بين الأدوار يؤدي إلى فشل ذريع في عملية التخطيط المحلي والإقليمي والوطني، إذ أن المشاكل المحلية تحتاج إلى معالجات محلية والمشاكل الإقليمية تحتاج إلى معالجات من قبل هيئة إقليمية، من هنا اقترح تغيير اسم أمانات المناطق إلى "هيئة منطقة (........) للشؤون البلدية"، أو "الهيئة الإقليمية للمنطقة (........)"، ليعكس المسمى النطاق الجغرافي للمستوى الإداري الإقليمي.